سواكم.
ويقول - سبحانه - فيمَن حرَّموا ما أحلَّ الله: {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 143] ؛ أي: فيما ذهبتم إليه وشرعتموه لأتْباعكم من ضُلاَّل البشر أشباه الأنعام.
أيها المسلمون:
رُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (( ومَن أعطى الذلَّة من نفسه طائعًا غير مكرهٍ فليس منَّا ) )، وفي ذلك الوعيدُ الشديد والتهديد الأكيد لِمَن ألقى قيادَتَه لغيره ممَّن لم تُكتَب له العصمة، ورضي بتقليده وتبعيَّته له في كلِّ ما يتَّجِه إليه، فإنَّ ذلك هو الإِمَّعة الذي يَرضَى بالتبعيَّة والذلَّة والهوان، ويُسلِم قيادته لشِرار بني الإِنسان، وفي الأثر: (( لا يكن أحدكم إمَّعة؛ يقول: أنا مع الناس، إنْ أحسَنَ الناس أحسنتُ، وإنْ أساؤوا أسأتُ، ولكنْ وَطِّنوا أنفسَكم إنْ أحسَنَ الناس أنْ تُحسِنوا، وإنْ أساؤوا أنْ تجتَنِبوا إساءتهم ) ).
فالمؤمن ينبغي أنْ يكون صلبًا في دينه معتزًّا بنفسه، مستقبلًا برأيه، ويكون في ذلك كلِّه على هدًى من كتاب الله - تعالى - وسنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يقع في شططٍ أو جور، أو يرتَدِي رداءَ العظَمَة والكبر، فيُصبِح من الهالكين الخاسِرين، بل يكون في سائر أحواله مؤمنًا قويًّا؛ فالمؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، وإنما تتحقَّق القوَّة في اتِّباع الحق والشجاعة في لزوم الثبات عليه، ولو جانَبَه سائر الخلق، فلا يقبل الذلَّة في دينه، ولا المُداهَنة في عقيدته، ولا المُساوَمة على أخلاقه وقِيَمِه، بل يُلازِم الحقَّ في كلِّ حال، ويُحارِب الباطل وأهل الضلال، ويردُّ الباطل على ما جاء به من الناس كائنًا مَن كان.
أيُّها المسلمون:
المؤمن الحقُّ هو الذي يدعو الناس إلى الخير ويَسبِقهم إليه، ويأمُرُهم بالمعروف ويكون أشدَّ التزامًا به، ويَنهاهم عن المنكر ويكون أعظمهم بعدًا عنه، ويحب للناس من الخير ما يحبُّه لنفسه؛ فيتَّفِق قوله وفعله على الخير، ويَشهَد ظاهره لباطنه على الاستقامة؛ فيجمع بين صَلاح السَّرِيرَة وجمال السِّيرة، والناس شُهَداء الله في أرضه، مَن أثنَوْا عليه بخيرٍ وجبت له الجنَّة، ومَن أثنَوْا عليه بشرٍّ وجبَتْ له النار، وإنما يتحقَّق النَّبأ ويَصدُق الثناء يومَ الموت،