فيوم الجنائز هو يوم الشهادة الصادقة في الدنيا للشخص أو عليه، ويوم القيامة هو يوم الجوائز، ففريقٌ جائزته تسرُّه وتُرضِيه، وآخِر جائزته تَسُوءُه وتُخزِيه، فرَّقت بينهم الأقوال، وتَبايَنوا في الفعال والأحوال، وعلى قدْر نيَّاتهم وسعيهم النَّوال، ولهذا أمَر الله - سبحانه - بملازمة الإيمان والتقوى، واستِمرار الاستمساك بالعروة الوُثقَى، وأخبَرَ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ: (( مَن مات على عمَلٍ بُعِثَ عليه ) )، فليُلازِم السعيدُ الإيمانَ، وليتَّصِف بصفات عِباد الرحمن، وليَحذَر الكفر والفُسُوق والعِصيان، وليُجانِب أهل النِّفاق والكذب والبُهتان.
فاتَّقُوا الله عِباد الله وأنيبوا إليه، واثبتوا على الإيمان، وكونوا أقوياء فيه، وتخلَّقوا بأوصاف أهل التقوى والإحسان، وما أكثرها في القرآن، وحافِظُوا على سنَّة نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - فإنها نجاةٌ لكم من الضلالة والهلَكَة وفتنة كلِّ فتَّان، وليكن لكم من انقضاء الأيَّام وتصرُّم العمر حافز لِمُلازَمة الحق والعض عليه بالنواجِذ، ونذير لتدارُك الخطأ واستِصلاح الفاسد وإقامة العوج، فاليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل؛ {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 94] .
نفعَنِي اله وإيَّاكم بهدي كتابه، وجعَلَنا من خاصَّة أوليائه وأحبابه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كلِّ ذنب، فاستغفروه يغفر لكم إنَّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتَّقِين، ولا عدوان إلاَّ على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخِرين، وقيُّوم السماوات والأرضين، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، والناصح المبين، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحابه أجمعين.
أمَّا بعد؛ فيا أيها الناس:
اتقوا الله - تعالى - حقَّ التقوى، واستَمسِكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلَموا أنَّ من الدين والنهج الذي ينبَغِي أنْ يكون عليه مسلك أولي النهى - البعدَ عن المعاصي، والتعاون على محاربة الفساد وقمْع المُفسِدين، والقضاء على كلِّ داعيةٍ إلى ضلال أو متزعِّم لفتنةٍ أو مبتغٍ في الإسلام سنةً جاهليَّة؛ ليُحقِّق الله - تعالى - للمسلمين وعدَه الكريم