فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 216

حقُّ الله على عباده، وما للمُتَّقي عنده من الخير يوم معاده، وبه تُعرف الأحكام، وتُوصَل الأرحام، ويُفرَّق بين الحلال والحرام، وهو الباعث على الإحسان في العمل والإخلاص، وهو لكلِّ كَلِم طيبٍ وعمل صالحٍ أساس، وهو أفضل مُكتَسب، وأشرف مُنتسب، وأنْفس ذخيرة تُقْتَنى، وأطيب ثمرة تُجْتَنى، وهو وسيلة الفضائل، وسببٌ يُلحق بالسابقين الأوائل.

فتعلَّموا هذا العلم، وأخلصوا لله فيه، تكونوا لربِّكم - تعالى - مُتَّقين، ولنبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - وارثين، وبأشرف الحظوظ آخذين، ولطريقِ الجنة سالكين، وإنَّما العلم بالتعلُّم، والفقه بالتفقُّه، ومَن يُرد الله به خيرًا، يُفقِّهه في الدِّين، فمَن عَلِم الله فيه خيرًا سمَّعه، ومَن اتَّقى الله - تعالى - كان معه، فإنه - سبحانه - يُسمع مَن يشاء، ويهدي من يشاء، ويُؤتي الحِكمة من يشاء، ومَن يُؤْتَ الحِكمة، فقد أُوتِي خيرًا كثيرًا، وما يذكَّر إلا أولو الألباب.

أيها المسلمون:

إنَّما يُراد من العلم خشية الله - تعالى - فكلُّ علمٍ لا يُورث صاحبَه الخشية، فهو تعبٌ على صاحبه في تحصيله وجَمْعه، وضرره عليه أكثر من نفعه، فاطلبوا من العلم ما يُثمر خشية الله - تعالى - ولن تجدوا ذلك إلاَّ في كتاب ربِّكم - تبارك وتعالى - وسُنة نبيِّكم محمد - صلى الله عليه وسلم - ألا وإنَّ العلم النافع نورٌ يَقذفه الله في قلب العبد، إذا سلَكَ سبيلَه، ورغب تحصيله، وأخْلص لله قصدَه، وبذَلَ من أجْله غاية جُهدِه، فإذا استقرَّ ذلك النور في القلب، صلَح به القلبُ، وانشرح به الصدر، وزكتْ به النفس؛ فطابت الأقوال، وكرمتِ الأعمال، وحَسُنتْ به السريرة، وجملتْ به السيرة، فأضحى صاحبه وارثًا للنبوَّة، سالكًا طريقَ الجنة، إمامًا يُقتدى به إلى آخر الدهر، فلا يعلم إلاَّ الله ما ينال من الأجر؛ {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21] .

فاتقوا الله - أيها المؤمنون - وامضوا أعمارَكم في طلب العلم النافع، تحصلوا على جميع المنافع، لا سيَّما وقد يسَّر الله لكم في هذا الزمان سُبلَه، وهيَّأ لكم وسائله، فقد شاعَ العلم في سائر الأقطار، وبلغَ ما بلَغَ الليل والنهار، يسير فوق الرياح، ويُسْمَع في الغدو والرَّواح، يدخل خَفي البيوت، ويَسْرح في الفلوات؛ فقد - والله - قامتْ في هذا الزمان علينا الحُجة، واتَّضحتْ لنا المحجَّة، فاذكروا نعمة الله عليكم، واشكروا جميل إحسانه إليكم، واستعملوا نعمَه في طاعته، ولا تجعلوها وسيلةً لمخالفته ومشاقته، ولا تُعرِضوا عن ذِكْره،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت