فيما تضمَّناه من الوصايا والنصائح المُهمَّة التأكيدَ على أصول اعتقادية عظيمة، وقواعد منهجية راسخة، وموازينَ سُلوكية مستقيمة، يقوم عليها الإِيمان، ويَحفظ بها للعقيدة الأساسَ والبنيان، وتُوزَن بها المقاصد والأعمال والأقوال، وتُعرف بها أحوال الرِّجال، وتُعرَض عليها الحوادث المستجَدَّة، ويُقوَّم بموجبها سلوكُ الفرد والأُمَّة، ويَضْمن المستمْسِك بها ممَّن خَلَف السير في كلِّ الأمور على هَدْي خير السَّلَف.
أيها المسلمون:
فأَصْل تلك الأصول التي أمَر الرَّسول بالتمسُّك بها: كتابُ الله، خير الحديث، وأصْدَقُ القول، وأشرف الذِّكر، وأعظم الذُّخر؛ فإنَّه حَبْل الله المتين، ونورُه المبين، وصراطه المستقيم، الهادي لكلِّ أمر قويم، وهُدًى مستقيم، مَن تمَسَّك به رفعه الله، ومن ابتَغى الهُدى من غيره أضَلَّه الله، ومَن ترَكه مِن جبَّار قصَمَه الله، نعَتَه الله بأجمل نعْت، ووصفه بأكْرَم وصْف، بأنَّه ذِكْر للعالمين، ورحمة للمؤمنين، وهدًى للمتقين، وبشرى للمحسنين، ما فرَّط الله فيه من شيء؛ بل جعله تبيانًا لكلِّ شيء، يَهْدي للتي هي أقوم، ويُرْشد إلى الخُلُق الأعظم، فهو ذكرٌ وذكرى، ونور وهُدى، وموعظة وبشرى، قال فيه المتكلِّم به سبحانه: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123 - 124] .
وجاء في صحيح السُّنة المطهَّرة أنَّ القرآن يأتي شفيعًا لأهله يوم القيامة، وأنَّ مَن كان القرآن خَصْمه فإنه يُحرَم الشفاعة، ويخلَّد في النار وبئس القرار.
فاتلوا القرآن عباد الله وتدبَّروه، واعملوا به ولا تَهْجروه، وتحَاكَمُوا إليه وأرضوه، وما أشكَل عليكم منه فالتَمِسوا بيانه في السُّنة الصحيحة تجدوه؛ فإنَّكم عنه مسؤولون: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44] .
أيها المسلمون:
وأمَّا ثاني تلك الأصول التي نصَّ عليها الرسول، فهي السُّنة الغَرَّاء المُبَيِّنة للهُدى، فإنها تفسِّر القرآن وتُبيِّنه أبلغ البيان؛ تفسِّر مجْمَله، وتوضِّح مشْكِلَه، وتفتح مُغْلَقه، وتقيِّد مطْلَقه، وتخصِّص منه العامَّ، وتستقلُّ عنه ببعض الأحكام، فقد وكل الله إلى نبيِّه تبْيين ما نزلَ إليه، كما جاء في القرآن النصُّ عليه: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ