بعد ما تبيَّن له الهدى، وناب عن الشيطان في الدعوة إلى سبل الرَّدى، فلقد كان لكم في سلفكم الصالح خيرُ مثالٍ يُحتَذَى؛ في الثَّبات على الحق، والتمسُّك بالدين عن إخلاص وصدق، والحذر من مكائد المغضوب عليهم والضالِّين، ومؤامرات المنافقين والمبتدعين، وتلبيس أئمَّة السوء المفتونين، فعَصَم الله السلف من الضَّلالة، وسلَّمَهم من الغواية، ونَجَّاهم من الفتنة، وأنقَذَهم من الهلَكَة.
وإنَّ مْن يتأمَّل تاريخ الإسلام الطويل في سائر الأعصار وشتَّى الأمصار، لَيتَجلَّى له حفْظ الله للإسلام، وصدْق وعده ببقائه وظهوره على سائر الأديان، وتحقيق وعْد الله جلَّت قدرته للمؤمنين بالعز والتَّمكين، والنصر المبين على سائر أعداء الدين، مهما كانوا عليه من قلَّة العدد وضعْف العُدد، ومهما كان عليه أعداء الدين من كثْرة في العَدد وقوَّة في العُدد، وإنَّ ذلك ممَّا يبعد خواطر التشاؤم عن القلوب، ويَبعَث على التفاؤل بتمَكُّن الإسلام في القلوب، وضرورة غلبته وظهوره وهَيْمَنته على سائر الأمم والشُّعوب.
وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ليبلغنَّ هذا الدين ما بلَغ الليل والنهار ) )، وقال - صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ هذا الدين لا يترُك بيتَ مَدَرٍ - أي: طين - ولا وَبَرٍ - أي: غزل - إلاَّ دخَلَه، بعزِّ عزيز وذلِّ ذليل ) ).
وبشَّر - صلى الله عليه وسلم - بانتصار المسلمين على اليهود والرُّوم آخِر الزمان، وبفتح روما عاصمة الفاتيكان؛ {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 6] ، (( وإنَّ الله ليُؤيِّد هذا الدينَ بالرجل الفاجر ) ).
أيُّها المؤمنون:
إنَّ هذا القرن المبارَك - إنْ شاء الله - من قرون الظُّهور والغلَبَة للدين والعز والتَّمكين والنصر للمسلمين، فلقد مضى عُشرُه مشتملًا على أحداث ذات عِبَرٍ، وحاملًا لبشائر بعد النذر، تُنبِئ عن مستقبل مُشرِق للإسلام، وهزائم مُنكَرة للمنافقين وأهل الكتاب والكَفَرَة أشباه الأنعام، فلقد ظهَر خلال السنوات الماضية فشَل الإلحاد، وأعلَنَ أهل إفلاسهم على رؤوس الأشهاد، وتلك خَسارة الدنيا، وخَسارة الآخِرة أعظمُ لِمَن لم يعد إلى سبيل الرَّشاد، ولقد تهاوَتْ فيه عُرُوش الطُّغاة الظَّلَمَة الذين طغَوْا في البلاد، واضطهدوا العِباد، وأكثَرُوا في الأرض الفساد، أخَذَهم الله على حين غرَّة، وجعَلَهم لأمثالهم والمُعتَبِرين بهم