وأنفَةٍ يُهان، وأنْ يُصبِح المسلمون أذلَّة لأهل الكتاب وعبَدَة الأوثان، تُستَعاض فيه الدِّياثة بالغيرة، والمهانة بالكَرامة، فذلك في نظرهم رقي وتجديد وتقدُّم وتطوُّر، فما يُوجَد في بلاد الكفر من خَلاعةٍ وتهتُّك، واستِهتار وعري، وإباحيَّة وزندقة - هو في نظرهم مِيزان الحضارة، وبراهين التقدُّم، ومعالم التطوُّر، أولئك هم الأخسَرُون أعمالًا: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] .
أيها المؤمنين:
الحذرَ الحذرَ من كيْد المفسِدين وفتنة المُبطِلين، والنَّجاةَ النَّجاةَ بأنفُسِكم وذَوِيكم من هذا الكيْد المُدبَّر والإفساد المُخطَّط، وإيَّاكم إيَّاكم أنْ تنخَدِعوا بزخرف المُبطِلين وشُبهات المُشَبِّهين من دُعاة الفساد، والمخرِّبين في البلاد، فإنَّ الخسارة كبيرة، والمصيبة عظيمة، إنها فساد الدِّين وتَدمِير الأخلاق، وبذلك تَذهَب الدنيا والآخرة، ويتحقَّق شَقاء الأبد وشؤم المُنقَلَب، إنهم يهدفون إلى أنْ يستَدرِجوكم عن دينكم ويُزَحزحوكم عن عقيدتكم ومبادئكم، ويُفسِدوا عليكم أخلاقَكم وقِيَمَكم بشتَّى أنواع الحِيَل، من زخرف القول ومُجُون الفعل، والوَسائِل المُغرِيَة والمُشكِلات المُشغِلة، ويأتونكم من بين أيديكم ومن خلفكم، وعن أيمانكم وعن شمائلكم؛ لتُصبِحوا كافِرين لا شاكِرين، ومُنحرِفين لا مستقِيمين.
فاستَمسِكوا بالحق الذي أنتم عليه، واحمدوا ربكم إذ هداكم إليه، ولا تستَمِعوا للمُبطِلين فيصدوكم عنه، أو يفتنوكم فيه، فقد أفلَحَ عبدٌ أطاعَ مولاه، واستَمسَك بالدين الذي له ارتَضاه، حتى لقي الله على الحق غير مفتون؛ {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281] .
بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعَنا جميعًا بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستَغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم من كلِّ ذنب، فاستَغفِروه يغفر لكم إنَّه هو الغفور الرحيم.