أخرى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 36 - 38] .
أيها المؤمنون:
ومن الأوصاف الكريمة والخِصال العظيمة التي سمَّى الله أهلَها بالمحسنين، وأخبَرَ أنهم من أحباب ربِّ العالمين ما أشار إليه - سبحانه - بقوله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .
أي: يُنفِقون ابتغاءَ وجه الله وطمعًا في ثوابه في عُسرِهم ويُسرِهم، فإنْ أيسَرُوا أكثَرُوا من النفقة الواجبة والمستحبَّة، وإنْ أعسَرُوا لم يحتَقِروا من المعروف شيئًا ولو قَلَّ، ويكظمون ما في قلوبهم من الغيظ على مَن يُؤذِيهم من الناس، ويَصبِرون عن مُقابَلة المُسِيء إليهم بمثْل فعلِه، ولا يقتَصِرون على ذلك فحسْب بل يَعفُون عنهم، والعفوُ أبلَغُ من الكظم؛ لأنَّ العفو تركُ المؤاخذة مع السَّماح عن المُسِيء طمعًا في عفو الله، ولعِلمِهم أنَّ مَن عفَا وأصلَحَ فأجرُه على الله؛ ولذلك وصَفَهم الله بالإِحسان، وبشَّرَهم بالمحبَّة وغيرها من ثَواب المُحسِنين؛ لأنَّهم أحسَنُوا في عبادة الخالق؛ إذ أخلَصُوا له العمل، وتابوا إليه من الخطأ والزَّلَل، وعظَّموا شعائر دينه وحرماته، وسعَوْا جهدَهُم ليل نهار في تحصيل مرضاته، وأحسَنُوا في معاملة الخلق ببذلِ النَّدَى، وكفِّ الأَذَى، واحتِمال الأَذَى، فقاموا بحقِّ الله وحقِّ عباده مُؤتَمِّين في ذلك بنبيِّهم محمد - صلى الله عليه وسلم - عبد الله وخاتم أنبيائه ورسله إلى عباده، فصارُوا لله مُستَسلِمين مُخلِصين، وبعبادته [ولعبادته. ت. أ] مُحسِنين، فيا بُشرَاهم يوم يُبعَثون {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112] .
أيها المؤمنون:
ومن جليل أوصاف المتَّقِين الذي قطَع الله لهم بالفَوْزِ بالمغفرة يومَ العرض، وجنَّات عرضها السماوات والأرض، أنهم يعتَذِرون إلى ربهم من جِناياتهم وذنوبهم، فإذا صَدَرَ منهم أعمالٌ سيِّئة كبيرة أو ما دون ذلك بادَرُوا إلى التوبة والاستِغفار، وذكَرُوا ربَّهم الجبَّار