تامل هنا اخي القارئ عظم الحرية التي منحها الاسلام لعامة المسلمين كيف ضمن لهم ان يطالبوا بحقوقهم أعلى سلطة في الدولة الاسلامية وبصفة خاصة وجها لوجه وبدون حجاب وحراس، وتأمل ماذا كان رد الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، انه لما سمع شكواهم من واليهم قال لهم: اختاروا رجلا أولِّيه عليكم مكانه.
هذا الكلام يمثل اعلى درجات ما سمى اليوم (الديمقراطية) يطلب رئيس الدولة من الشاكين أن يختاروا من يرضونه واليا عليهم، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر، وعزل والي مصر بن أبي سرح على الرغم من انه كان من اقربائه.
وخرج معهم عدد من المهاجرين والانصار ينظرون فيما بين اهل مصر وابن أبي سرح فخرج محمد ومن معه، فلما كانوا على مسيرة ثلاثة ايام من المدينة إذا هم بغلام اسود على بعير فقال له اصحاب محمد ما قصتك وما شأنك كأنَّك هارب أو طالب؟ فمرة يقول لهم انا غلام مروان ومرة يقول انا غلام امير المؤمنين وجهني الى والي مصر، ففتشوه فوجدوا معه كتابا مكتوبا من عثمان إلى ابن أبي سرح إذا اتاك محمد وفلان وفلان فاحتل (ودبر حيلة) في قتلهم وأبطل كتابه (ولا تأخذ به) وقر على عملك (وابق في منصبك) حتى يأتيك رأيي. واحبس من يجيء اليك يتظلم (ويشكو) منك لياتيك رأيي في ذلك ان شاء الله تعالى.
فلما قرؤوا الكتاب فزعوا ورجعوا إلى المدينة، فجمعوا طلحة والزبير وعليا وسعدا ومن كان من اصحاب محمد ثم فكوا الكتاب بحضرتهم وأخبروهم بقصة الغلام واقرؤوهم الكتاب فلم يبق احد من اهل المدينة الا غضب على عثمان - رضي الله عنه -.