أحرف فأقرؤوا ما تيسر منه، والذي يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم - (ما تيسر منه) أنها رخصة للقبائل التي كانت لاتستطيع أن تكره ألسنتها على لهجة قريش أو على اللهجة الأصلية.
وذكر ابن قتيبة أنه كان من تيسير الله لأمة القرآن في أول نزوله أنه سبحانه أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بوساطة جبريل بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم، فالهذلي (مثلا) يقرأ (عتى حين) لأنه هكذا يلفظ بها ويستعملها، والأسدي يقرأ (تِعلمون) و (تِعلم) و (وتِسود وجوه) يقرؤها جميعها بكسر التاء لا بفتحها، والتميمي يهمز ويقرأ (فؤاد أم موسى) ، والقرشي لايهمز فيقرأ (فواد أم موسى) .
ولو أن كل فريق من هؤلاء أُمِر ان يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وشابا وكهلا لاشتد ذلك عليه وعظمت المحنة فيه ولم يمكنه القراءة بلهجة قريش إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان وقطع للعادة، فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل له متسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات لتيسيره عليهم في الدين.
يتبين مما مر ذكره مسألتان:
أولاهما: أن القرآن الكريم نزل بلهجة قريش لفصاحتها، فقد كانت تمثل اللغة الأدبية المشتركة بين القبائل العربية، هذا في الأعم الأغلب، أي: أن القرآن الكريم أنزل بغير هذه اللغة أيضا من ذلك مثلا أن لهجة تميم تنبر الهمزة فتحققها ويشاركها في ذلك أكثر البدو فيقولون: رأس، وبئس، وفؤاد، وخاسئة، في حين يسهل الحجازيون (القرشيون) الهمزة ولاينبرونها