عمر، وبين أن تبقى زوجة عنده، وتتخلى عن الذهب والجواهر، فقال لها اختاري، إما أن تردي كل ما تملكين من الحلى الذهبية إلى بيت المال، وإما أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنتِ وهذا الذهب في بيت واحد، فقالت: لا، بل اختاركَ عليه وعلى أضعافه، فأمر به، فحُمل حتى وُضِع في بيت مال المسلمين، فلما توفي عمر رحمه الله، وجاء من بعده يزيد، قال لفاطمة: إن شئتِ رددته إليكِ، قالت: لا والله ولا أطيب به نفسا في حياته، وأرجع فيه بعد موته. ولأن رئيس الدولة في ظل الإسلام يشعر بأن الرئاسة مسؤولية دنيوية وأخروية فإنه يعمل دائما بما هو فيه مصلحة الرعية.
كان عمر رضي الله قد فرض راتبا شهريا لكل طفل بلغ عمر الفطام، فسمع ذات ليلة بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه: اتقي الله وأحسني إلى صبيكِ، ولم تكن تعرفه أنه الخليفة عمر، فلم تأبه بقوله، ثم سمع بكاءه مرة ثانية، فعاد إلى أمه يقول لها ما قاله في المرة الأولى، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي، فأتى إلى أمه وقال لها: ويحكِ إنك أم سوء، مالي أرى ابنك على هذا الحال لا ينقطع بكاؤه؟ قالت الأم: أيا عبدالله: إني أحاول إفطامه فيأبى ذلك، فقال عمر: ولِمَ ذاك؟ قالت: لأن عمر لا يفرض مالا إلا للمفطوم، فقال: وكم عمر ابنكِ؟ قالت: كذا شهر، فقال: ويحكِ لا تعجليه عن الإفطام. فلما صلى الصبح انصرف إلى الناس وجعل مناديا ينادى فيهم: أن لا يعجلوا صبيانهم عن الفطام فإنا قد قررنا أن نفرض لكل مولود راتبا من يوم ولادته. ثم أخذ - رضي الله عنهم - يلوم نفسه والدموع تملأ عينيه ويخاطب نفسه: كم صبيا قتلتَ يا عمر: ثم أعم هذا القرار وبعث به إلى الأقاليم في الآفاق.