فهذا الزواج بقدر ما فيه من الرأفة، فهو أيضا تخطيط بعيد لامتصاص ما في نفس أبي سفيان من حقد حيث هاجرت بنته إلى الحبشة بسبب اتباعها لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فزاد أبو سفيان من كرهه له وللإسلام، ولقد كان لهذا الزواج من الأثر الطيب ما جعل أبا سفيان يدخل في الإسلام ويفتح مكة أمام دعوته الكريمة.
فقد كان هذا الزواج تأليفا لِقَلْبِ أبي سفيان ولقلوب عشيرتها وهي عشيرة عبد شمس التي كانت تعد أوسع عشائر مكة وأغناها وقد كان أيضا تكريما لامرأة ضحت بأبيها وزوجها من أجل الإسلام.
فقد خرج أبو سفيان يريد المدينة، وذكر أن له ابنة هناك في بيت خصمه فتسلل إليه يستعين بها على ما جاء من أجله، وفوجئت أم المؤمنين بأبيها يدخل بيتها ولم تكن قد رأته منذ أن هاجرت إلى الحبشة فوقفت تجاهه متحيرة لا تدري ماذا تفعل وماذا تقول:
وأدرك أبو سفيان ما تعانيه ابنته فأعفاها من أن تأذن له بالجلوس، وتقدم من تلقاء نفسه ليجلس على الفراش فما راعه إلا أن وثبت عليه ابنته فاختطفت الفراش وطوته، فسألها أبوها: أطوتيه يا بُنَيَّةَ رغبةً بي عن الفراش أم رغبةً بالفراش عني؟ فأجابته هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنت رجل مشرك، فلم أحب أن تجلس عليه.
فقال والحسرة تقطع قلبه: لقد أصابك يا بنيتي بعدي شرا وانصرف عنها غاضبا.
فهذه المرأة ألا تستحق أن يكرمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزواجه منها؟ ألا تستحق أن يجعلها من أمهات المؤمنين؟.