فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 309

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه، أما بعد:

أيها المسلمون، فما زلنا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نقرأ مشاهد الموعظة والعبرة؛ لنجتني منها دروس الإرشاد في مسيرة حياتنا.

مشهد جديد، ولكن هذه المرة في سوق من الأسواق يدخله رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق داخلًا من بعض العالية، والناس على جانبيه، فمر بجدي أسك- صغير الأذنين- ميت، فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم) ؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: (أتحبون أنه لكم) ؟ قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) [1] .

إنه درس إيماني بليغ من هذه الصورة، يكشف فيه عن حقيقة الدنيا، وأنها لا تستحق التنافس فيها واللهث وراءها، واللهف على فواتها؛ لأنها لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة. إنما الشيء الذي يستحق أن يتنافس فيه، ويبذل من أجله الغالي والرخيص هو الجنة التي كملت نعيمًا ولذة وبقاء، قال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:64] .

معشر المسلمين، ومن المشاهد المؤثرة التي تجعل المسلم يتعلق بالجنة مهما لقي في الدنيا من النعيم والترف: ما جاء عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أُهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم سَرَقةٌ من حرير فجعل القوم يتداولونها بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتعجبون من هذا) ؟ فقالوا له: نعم، يا رسول الله، قال: (والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا) [2] .

لقد نقل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذهان من هذا المشهد في الدنيا إلى الآخرة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فإذا كانوا يعجبون من لين ذلك الثوب الحريري وحسنه ونعومته، فكيف لو لمسوا ما أعده الله لعباده المؤمنين في الجنة ومنهم سعد بن معاذ رضي الله عنه. ففي هذا درس للمؤمن أن يكون تعلقه بالدار الآخرة فيما يحس ويشاهد ويسمع.

أيها المسلمون، وبعد هذا نقول: إن عصرنا الحاضر يزخر بكثير من المشاهد المؤثرة التي لو تأملها الناس لكانت لهم من أسباب الهداية والاستقامة والتعلق بدار البقاء والزهد في دار الفناء. بل لقد تعددت وسائل نقل تلك المشاهد ووسائل إضافة نكهة التأثير عليها. وإذا كانت مشاهد النصوص أقوى تأثيرًا على من حضرها في العصور الخالية فإن لدينا في العصر الحاضر وسيلة يمكنها حفظ الصورة ونقلها إلى مشاهدين آخرين، ففي هذا العصر صارت الصورة الثابتة أو المتحركة هي لغة العصر المعبرة عما يجري فيه، وربما تكون صورة واحدة أبلغ في التأثير من ألف كلمة.

(1) رواه مسلم.

(2) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت