وفقدوا مالهم، وفقدوا راحتهم في استقبال الناس وإطعامهم. وهذا مع ما فيه من مخالفة شرعية فيه إسراف غالبًا، وقد يكون من مال التركة الذي يحتاجه وارثو الميت، خصوصًا إذا كانوا أطفالًا. ولو أبقوا هذا المال للورثة لكان خيرًا لهم، ولو تصدقوا به عن الميت لكان خيرًا للميت.
عباد الله، إن العزاء في الإسلام معناه: التسلية والتخفيف عن أقارب الميت وأحبائه بكلمات التصبير والرضا، والدعاء للميت بالمغفرة والرحمة، وليس معناه التثقيل على أولئك الأقارب وإرهاقهم بدنيًا وماليًا ونفسيًا. فالعزاء المطلوب يكون بمثل:"إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبروا ولتحتسبوا"، ونحو ذلك من العبارات المباحة، سواء كان ذلك أثناء الدفن، أم في الطريق، أم في البيت في زيارة قصيرة، أم بالاتصال أم بالإرسال. ويحصل بذلك العزاء الشرعي من غير تثقيل بالإقامة والاجتماع الطويل. فعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: (كنا نعد(وفي رواية: نرى) الاجتماعَ إلى أهل الميت، وصنيعةَ الطعام بعد دفنه من النياحة) [1] . وقد تتابع فقهاء الإسلام على ما تضمنه هذا الحديث بذكر كراهية الاجتماع على العزاء والطعام في كتبهم.
أيها المسلمون، إن الإنسان إذا مات انقطع عمله، لكن المسلم قد تصل إليه أجور إلى قبره بأعمال صالحة تركها من بعده، أو أعمالٍ صالحة أهدى أجرَها له أقربوه أو محبوه، فما هي تلك الأعمال التي تصل حسناتها الميتَ إلى قبره؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) [2] .
وقال عليه الصلاة والسلام: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علمّه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته) [3] . فقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين من الأعمال: العلم النافع، وهذا يعم ما خلّفه صاحب العلم النافع من مؤلفات وفتاوى وطلاب يحملون علمه بعده. وذكرَ عليه الصلاة والسلام: الولدَ الصالح، ولعل الأب كان له يد في إصلاحه وتقويمه وهو كذلك سيدعو له من بعده. وذكر أيضًا: الصدقةَ الجارية، وهي تشمل: بناءَ المساجد، وحفرَ الآبار للناس ليشربوا ويستقوا منها، وبناءَ بيت لابن السبيل، والمصحفَ والكتبَ العلمية النافعة. وينتفع الميت كذلك من أقاربه ومحبيه بعد موته: بالدعاءَ والاستغفار له منهم، والصدقةِ عنه، ونشرِ خيره بين
(1) رواه أحمد وابن ماجه، وهو صحيح.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه ابن ماجه والبيهقي وابن خزيمة، وهو حسن.