الله لنبيه بصقله على الجلَد والصبر والاعتماد على النفس-بعد الله تعالى-؛ لأن هناك مستقبلًا مليئًا بالشدائد يحتاج هذه النفس التي قد ذاقت طعم العناء منذ بزوغ شمس الحياة عليها، وليس من جرب فتصدر كمن تصدر بلا تجارب.
أيها الأحبة الكرام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في شبابه؛ فلم يكن شبابه صلى الله عليه وسلم لوحةً نُقش عليها اللهو والعبث، والانجراف نحو الانحراف إلى الهوى والشهوات غير المحمودة. وإنما كان شبابه صلى الله عليه وسلم صفحة مشرقة ناصعة بالعفة والنقاء، والطهارة والصفاء، والكفاح والجد، والتفكير الصائب، مع سمعة حسنة بين قومه، وثناء كريم منهم عليه في منتدياتهم وعلى ألسنتهم.
لقد نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه في شبابه الكسلَ وانتظار نوال غيره، ولبسَ الانطلاقَ إلى العمل والكسب الحلال، فعمل في التجارة إلى الشام مع عمه أبي طالب، ثم عمل في رعي الأغنام لبعض أهل مكة، ثم صار تاجرًا مسافرًا بالتجارة لخديجة رضي الله عنها. فقد وصل إلى سمع خديجة عليها رضوان الله صدقُ محمد بن عبد الله وأمانته، فأحبت أن يتاجر في مالها، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوتها، فخرج بتجارتها إلى الشام مع غلامها ميسرة. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتجارة رأت خديجة بركة في المال ونماء، وزاد الأعجابَ به ما سمعته من غلامها المرافق له في السفر بما تحدث به عن كريم خلاله، وجميل خصاله، وكانت خديجة غير ذات زوج، وهي ذات مال وجمال ومكانة بين قومها، وكان يأتيها الخطّاب من سادات قريش فتردهم، وكأنها تنتظر إنسانًا آخر لم تجد صفاته في أولئك الخطاب، فلما نُعت لها رسول الله صلى الله عليه وسلم- وزادت علمَ اليقين بعين اليقين حينما تاجر في مالها، فجمعت ما رأتْ إلى ما سمعت-؛ رأت ضالتها المنشودة بين يديها، فرغبت في الزواج به عليه الصلاة والسلام، فتم ذلك.
وفي فصل آخر من فصول شبابه صلى الله عليه وسلم نجده غيرَ غافل عن واقع قومه ومشاركتهم فيما يهمهم، فقد حصلت حرب الفجار بين قريش وقيس عيلان فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهز النبل لعمومته، وعمره إذ ذاك خمس عشرة سنة.
وفي صفحة أخرى من صفحات شبابه عليه الصلاة والسلام نراه قد حيل بينه وبين اللهو، فقد روى بعض أصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته، قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي الغنم بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفًا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا حر الشمس. فعدت إلى صاحبي فسألني، فأخبرته، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت بمكة فأصابني مثل أول