فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 309

فعند ذلك يحاسب الله تعالى الإنسان الكافر على أعماله السيئة فينكرها، فينطق الله جوارحه لتشهد عليه. قال تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور:24 - 25] ، وقال: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت:20 - 21] . فينكشف للإنسان الكافر في ذلك اليوم غيرُ ما كان يتوقع، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر:47] .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: هل تدرون مما أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب، ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام قال: فيقول: بعدًا لكن وسحقًا فعنكن كنت أناضل) [1] .

أما المؤمن الذي كتب الله له النجاةَ فيحاسبه الله حسابًا يسيرا، حسابَ الحبيب الكريم للحبيب المخطئ المعترف بذنوبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُدَنى المؤمن يوم القيامة من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه-أي: ستره- فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أيْ رب، أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق {هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [[هود:18] [2] .

وهذه المقابلة بين المؤمن وربه موقف عظيم، فمجرد المناقشة للحساب تعدُّ عذابًا؛ لأنها بعثرة للأعمال بين يدي ذي الجلال، لكن يعقبها الفوز والفلاح. عن عائشة رضي الله عنها: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نوقش الحساب عُذِّب) . قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق:8] ؟،قال: (ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب هلك) [3] .

أيها المسلمون، ثم بعد الحساب ينتظر الناس كتب أعمالهم: هل يأخذونها بأيمانهم فيفوزوا، أو بشمائلهم من وراء ظهورهم فيخسروا. أما المؤمن فيأخذ كتاب عمله بيمينه فيفرح فرحًا شديدًا، ويذهب يبشر بفوزه من لقي. وأما غير المؤمن فيأخذ كتاب عمله بشماله من وراء ظهره فيبأس بؤسًا شديدًا. قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ

(1) رواه مسلم.

(2) متفق عليه.

(3) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت