ومن شدة ذلك اليوم ينسى كلُّ حبيب حبيبه، وكل قريب قريبه؛ إذ لم يعد للإنسان همٌّ إلا نجاة نفسه؛ لأنه مشغول بحاله عن غيره. قال تعالى: {وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} [المعارج:10] ،
وقال: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} {وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} {وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34 - 37] .
وفي تلك الشدة والكرب يزداد الظمأ والحاجة إلى الماء فيكون لكل نبي حوض في العرصات يَرِده مؤمنو قومه فيشربون منه، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن لكل نبي حوضًا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو الله أن أكون
أكثرهم واردة) [1] . وقال عليه الصلاة والسلام: (هل تدرون ما الكوثر؟ هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يختلج العبد منهم فأقول: يا رب، إنه من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) [2] .
أيها الأحبة، وحينما تبلغ الشدة مداها في العرصات يذهب الناس إلى الأنبياء ليستشفعوا بهم عند الله تعالى؛ ليقيم الحساب، فيعتذر كل نبي ويقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، حتى يصل المستشفعون إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: (أنا لها، قال: فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدًا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق، فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع) [3] . وفي رواية للبخاري: (فيشفع ليقضي بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم) .
عباد الله، وبعد هذا يُقام حساب الخلائق على ما قدموا، فيجيء الله تعالى مع ملائكته لفصل القضاء، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد رياء لا يستطيع السجود. قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22] . وقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [البقرة:210] . وقال: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم:42] .
وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا) [4] .
(1) رواه الترمذي والبخاري في التاريخ، وهو صحيح.
(2) رواه مسلم.
(3) متفق عليه.
(4) متفق عليه.