فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 309

فقاموا من نومهم وظنوا أنهم ما ناموا إلا يومًا واحدًا؛ فأجسادهم لم تتغير وشعورهم كما هي عليه وأظفارهم لم تطل [1] . فاحتاجوا إلى الطعام فأرسلوا واحدًا منهم إلى المدينة لجلب ذلك، فرجع بالطعام إلى رفاقه، وقد كُشف أمرهم لأهل المدينة، بالدراهم التي اشترى بها صاحبهم [2] . فأماتهم الله تعالى بعد أن أطلع أهلَ المدينة على قصتهم؛ لتكون للناس عظة وعبرة.

أيها المسلمون، هذه القصة قصة عجيبة؛ ولذلك تداولتها الأجيال جيلًا بعد جيل إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات على رسوله عليه الصلاة والسلام ليبين أنها قصة فيها عظات وعبر، لكنه يقول لرسوله وللناس: إن في خلق الله ما هو أعجب من ذلك. يقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} [الكهف:9] . والرقيم: هو اللوح الذي كتبت فيه أسماؤهم.

لقد أجمل الله تعالى قصتهم في ثلاث آيات بيّن فيها خروجهم ودعاءهم ثم إماتتهم ثم إيقاظهم. قال تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا} [الكهف:10 - 12] . وهذا الأسلوب القائم على الإجمال ثم التفصيل مما يشوِّق المتابع للقصة؛ فقد جاء التفصيل بعد هذا الإجمال يبين للناس أن القرآن الكريم سيذكر خبرهم العجيب كما هو عليه من غير تحريف ولا كذب كما هي عادة بعض القُصّاص، وكما هي عادة القصص التي تتناقلها الألسنة. فبين تعالى أن هؤلاء المؤمنين كانوا شيابًا آمنوا بالله تعالى وزادهم الله ثباتًا وهدى وقوّى قلوبهم لاتباع الحق بين قومهم المشركين الذين حادوا عن سبيل الحق فعبدوا غير الله تعالى من غير برهان فجأوا بأعظم فرية. قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} {هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الكهف:13 - 15] .

عباد الله، إن هؤلاء الشباب الصالحين عندما عرفوا الحق لم يترددوا في قبوله والتضحية في سبيله؛ فقد فارقوا الأهلَ والجيران والمحبوبات والوطن فاعتزلوا؛ فرارًا بدين الله تعالى كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مخلّفين وراءهم علائق دنياهم ليفوزوا بدينهم. وهذا فيه رسالة للناس وخاصة للشباب؛ -لأنهم أصحاب أذهان صافية فهم أسرع من غيرهم لقبول الحق-، هذه الرسالة مضمونها: أن الدنيا بجميع ملذاتها ومتعلقاتها إذا كانت تقف عائقًا أمام الحق فإنها تترك وتهجر، ويُنتقل عنها إلى المكان الذي يسهل لزوم الحق فيه والعمل به. قال تعالى: وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي

(1) ينظر: فتح القدير، للشوكاني (3/ 392) .

(2) ينظر: تفسير ابن كثير (3/ 96) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت