فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 309

سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:100] .

أيها الأحبة الكرام، إن البيئة الفاسدة عقديًا وعمليًا وخُلقيًا تؤثّر على الإنسان الصالح مع مرور الزمن، فهؤلاء الشباب كانوا يستطيعون أن يخفوا إيمانهم بين قومهم ويعبدون الله في السر. لكنهم خافوا إن استمروا بين قومهم وهم يرون تلك المنكرات؛ فلذلك لجأوا إلى العزلة التي وجدوا فيها صلاحَ الدين والدنيا. قال تعالى: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} [الكهف:16]

فوصلوا إلى الكهف فضرب الله تعالى عليهم النوم الطويل فناموا، فحفظ الله أجسامهم من البلى فلم تأكلها الأرض خلال تلك المدة الطويلة. وكان من إكرام الله لهم أن الشمس إذا طلعت من المشرق تميل عن مكانهم إلى جهة اليمين، وإذا غربت تتركهم إلى جهة اليسار، فلا تؤذيهم حرارة الشمس ولا ينقطع عنهم الهواء. قال تعالى: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف:17] {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف:17 - 18] .

أيها المسلمون، إن المسلم إذا كان من الاتقياء الصالحين الذين آثروا الآخرة على الدنيا، وقدموا مرضاة الله على شهوات أنفسهم فإن الله يرعاهم ويحوطهم بعنايته وحفظه، ويدفع عنهم السوء بقدر ما عندهم من الإيمان والعمل الصالح. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128] ، وقال: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38] .

ويجعل من أحوالهم عبرة للمعتبرين يتعظون بها، وتسلك بالاقتداء بهم طريقُ الحق أحياء وأمواتًا. وهذا يربي المسلم على أن القيام بالحق باطنًا وظاهرًا يرفع شأن صاحبه، ويصبح له درعًا حصينة تدفع عنه الضر. {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى:36] .

عباد الله، وكما أن الله جعل بهم آية حينما أنامهم تلك المدة الطويلة حافظًا لهم، أيقظهم بعد ذلك دون تغيُّر. فجعل بعضهم يسأل بعضًا عن المدة التي ناموها، فقال بعضهم: نمنا يومًا أو بعض يوم، وبعضهم فوّض الأمر إلى الله تعالى. وانشغلوا بما هو أهم لهم من معرفة الزمن الذي لبثوه وهو البحث عن الطعام، فأرسلوا واحدًا منهم إلى السوق ليشتري لهم طعامًا، وكانت لديهم عُملة من الفضة، وحذروا صاحبهم من أي عمل يعمله يكون سببًا لكشف أمرهم؛ لأن أهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت