فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 309

يسمى في علوم القرآن بالإسرائيليات والموضوعات، وهي الأكاذيب والأقاصيص التي طرأت على القصص القرآني. وقد تولى كِبرَ ذلك اليهودُ عليهم غضب الله، وقد تسلل بعضٌ من تلك الخرافات المنسوجة إلى بعض كتب التفسير والتاريخ.

والواجب علينا-معشر المسلمين-الاعتمادُ في القصة القرآنية على ما جاء في القرآن الكريم، وصحيح السنة النبوية، وأما التفصيلات الزائدة على ذلك فإن أهل العلم ينظرون فيها إلى ما وافق القرآن والسنة فيحكمون بقبوله، وإلا فحسب المسلمين كتابُ الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

ويجب علينا كذلك أن نعتقد أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الدنايا ورذائل الأخلاق، وما يشين السلوكَ المستقيم، وعليه فكل حكاية أو قصة تخلُّ بمقام النبوة مما جاء عن بني إسرائيل وغيرهم يجب علينا ردُّها وتكذيبها.

أيها المسلمون، إن من القصص التي نُسجت حولها الأكاذيب، بل تغلغلت هذه الكذبات في عقول بعض الناس: قصةَ نبي الله داود عليه الصلاة والسلام الذي أكرمه الله تعالى بكرامات متعددة.

وستناول في هذه الخطبة-بعون الله تعالى- قصة داود عليه السلام كما جاءت في القرآن وصحيح السنة، وننظر في تلك الأكاذيب الشنيعة التي نسبت إلى هذا النبي الكريم وهو بريء منها براءة الذئب من دم يوسف، وسنرجئ الدروس والعبر المستفادة من سيرة هذا النبي الكريم إلى خطبة قادمة إن شاء الله تعالى.

عباد الله، لقد كان نبي الله داود عليه السلام شابًا من بني إسرائيل، وحينما خرج طالوت ببني إسرائيل إلى مواجهة جالوت وجنوده خرج داود في جند طالوت، فثبت مع الثابتين، وبقي من الفئة القليلة التي واجهت جالوت وجنده، فلما تواجه الجمعان والتقى الفريقان أعان الله تعالى داودَ عليه السلام على قتل جالوت بيده، فلمعَ نجمُ داود في بني إسرائيل وعرفوا قدره، فملّكوه عليهم بعد طالوت، وآتاه الله النبوةَ بعد ذلك، فجمع الله له بين النبوة والملك وبين خير الدنيا والآخرة، وقد كان الملْك في بني إسرائيل في سبط، والنبوة في سبط آخر، فجمعهما الله تعالى لداود عليه السلام. قال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:251] .

أيها الأحبة الفضلاء، عاش داود عليه السلام عفيفًا حريصًا على العزة في طعامه وصلاح أمر عيشه، فما كان يأكل إلا من عمل يده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) [1] .

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت