فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 309

الله عليه وسلم: (ما بعث الله من نبي ولا كان بعده من خليفة إلا له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالًا، فمن وقيَ شرها فقد وقي) [1] .

وهكذا كان سليمان بطانةَ خير لأبيه عليهما السلام.

ومن الدروس السياسية: أن اتباع الحاكم للهوى في حكمه من أسباب تقويض الحكم وخرابه؛ لأن اتباع الهوى سيضله عن الصواب، ويبعده عن الحق في الفصل بين الناس، وتسيير أمور الدولة؛ ولذلك نهى الله تعالى داود عليه السلام عنه، وبين له عاقبته وآثاره السيئة، فقال: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص:26] .

ومن الدروس السياسية: أن يكون الحاكم من أهل العبادة والقرب من الله تعالى؛ حتى يسدده الله في حكمه، ويعمل لدينه كما يعمل لدنيا الناس ودينهم، وقد عمل داود عليه السلام بذلك فكان كثير العبادة والتوبة والأعمال الصالحة كما مرّ معنا في الخطبة الماضية.

أيها الأحباب الكرام، وفي سيرة هذا النبي الكريم عِبرٌ ودروس قضائية، منها: أهمية القضاء والفصل في الخصومات في حياة الناس، وفي استقرار الدول؛ فإن الحياة الجماعية التي يعيشها الناس يشوبها الاختلاف والتنازع، والظلم والاعتداء على الحقوق، ولابد لهذا الافتراق من قضاء يفصل التنازع، ويعيد الحقوق إلى أهلها؛ حتى تستمر سفينة الوئام في مخر عباب الحياة بعيدةً عن هيجان أمواج الاعتداءات. والقضاة يحكمون في قضايا الناس بناء على أمرين: معرفة الأدلة والقرائن في القضية المرفوعة إليهم، وإصدار الحكم الشرعي في تلك القضية حسب ما تبين لهم من تلك البراهين، وهم مختلفون في إصابة الحق، فمنهم من يصيب السداد، ومنهم من يقاربه، ومنهم من يبعد عنه، ونبي الله داود عليه السلام أعطاه الله تعالى قوة الفصل والمعرفة في الحكم في القضايا، وكذلك أعطى ابنه سليمان عليها السلام، فقال تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص:20] .

ومن الدروس القضائية: جواز نقض الحكم بالحكم إذا تبين خطأُ الحكم الأول، أو كان الثاني أرفقَ بالخصوم، فالقضاة حكمهم لا يبنى على معرفة الغيب حتى لا يعدلوا عن الصواب، ولكنه مبني على ما ترجح لديهم من القرائن، فقد يصيبون وقد يخطئون؛ ولذلك قد يحكم القاضي لأحد الخصمين بالحق من خصمه وهو ليس له، فيستحق ذلك الخصم الحق المحكوم به قضاءً، ولكنه لا يجوز له أن يأخذه ديانة؛ ولهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض، وأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذ؛ فإنما أقطع له قطعة من النار) [2] .

(1) رواه البخاري في الأدب المفرد، وهو صحيح.

(2) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت