وفي قصة داود عليه السلام نقض حكمه في قضية الزرع، وقضية المرأتين، قال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:79 - 80] .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنتِ، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى) . والقضاة لا يستوون في معرفة الصواب، فداود عليه السلام كان حكمه في القضيتين صحيحًا بناء على الأدلة، لكن تبين لسليمان عليه السلام حكمٌ هو أرفق بالخصمين من حكم أبيه فحكم به وأقره أبوه عليه، وفي الثانية لاحظ سليمان مخايل الاستحقاق للولد في المرأة الصغرى فاحتال حيلة قضائية صحيحة حتى وصل إلى الحق فحكم به للصغرى، وأمضى أبوه حكمه في هذه كذلك.
ومن الدروس القضائية: أهمية تحلي القاضي بالفطنة والذكاء، والإحاطة بالطرق المشروعة في استبيان الحق، مثل الحيل الصحيحة، وقد ضرب القاضي إياس بن معاوية أروع الأمثلة في الفراسة واستخراج الحقوق من الخصوم، وقد ذكر المؤرخون عن فطنة إياس وذكائه في القضاء أخبارًا عجيبة كثيرة، فمن ذلك:
أن رجلًا استودع رجلًا مالًا، ثم طلبه فجحده، فخاصمه إلى إياس بن معاوية، فقال الطالب: إني دفعت المال إليه، قال: ومن حضرك؟ قال: دفعته إليه في مكان كذا وكذا ولم يحضرنا أحد، قال: فأي شيء كان في ذلك الموضع؟ قال: شجرة، قال: فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر إلى الشجرة؛ فلعل الله تعالى يوضح لك هناك ما يبين لك حقك، لعلك دفنت مالك عند الشجرة ونسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة، فمضى الرجل وقال إياس للمطلوب: اجلس، حتى يرجع خصمك، فجلس، وإياس يقضي وينظر إليه ساعة ثم قال له: يا هذا، أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكر؟ قال: لا، قال: يا عدو الله، إنك لخائن، قال: أقلني أقالك الله، فأمر من يحتفظ به حتى جاء الطالب فقال له إياس: قد أقر لك بحقك فخذه به. ورد رجل جارية اشتراها من رجل غلبه فخاصمه إلى إياس بن معاوية فقال له: لمَ تردها؟ قال: أردها بالحمق، قال إياس لها: أيُّ رجليك أطول؟ قالت: هذه، قال: تذكرين أيَّ ليلة ولدت؟ قالت: نعم، فقال له إياس: رُدّ رُدّ.
وهنا سليمان عليه السلام استعمل حيلة السكين حتى عرف أم الغلام الحقيقية.