فعن عائشة رضي الله عنها: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حد من حدود الله) ؟!. ثم قام فاختطب ثم قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) [1] .
الله أكبر، هذا هو العدل الذي تصلح به الدنيا والآخرة للشعوب المسلمة إذا سارت عليه.
ففي هذا أسوة حسنة لكل حاكم يريد السعادة لنفسه ولشعبه، وأن يُذكر بالجميل بعد ذهابه عن حكمه.
قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد الأحد، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
أيها المسلمون، وإذا ما انتقلنا إلى جانب آخر من جوانب الاقتداء بسيد الأنبياء فسنجد ذلك الجانب بحرًا زاخرًا بأمثلة الأسوة الحسنة، ذلك الجانب هو: جانب الأخلاق والآداب التي قد أفاضت الحديث عنه كتبُ الشمائل المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] ، فماذا نقول عن صدقه وأمانته، وطهارته وصفاء سريرته، وحسن حديثه وبهاء أسلوب كلامه. وماذا نقول عن ذكره وصبره، وشكره وحسن عبادته. وماذا نقول عن حلمه وعفوه، ورحمته وعطفه، ورفقه ورأفته، وتواضعه ولين جانبه. وماذا نقول عن شجاعته وإقدامه، وشدة شكيمته وقوته في الحق ودفاعه عنه. وماذا نقول عن زهده وقناعته، وإعراضه عن الدنيا وقد ألقت نفسها بين يديه. وماذا نقول عن وقاره ورجاحة عقله، وحسن تصرفه، وحفظه لعهوده، ووفائه بوعوده. وماذا نقول عن غير ذلك من صفاته العذبة، وشمائله الكريمة التي بلغت في المجد الغاية، وفي الحمد النهاية.
فيا أيها المسلمون، الاقتداءَ الاقتداءَ بسيد الأنبياء، فلتكن أقوالنا وأعمالنا وأحوالنا منسوجة على منواله في أقواله وأعماله وأحواله.
قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31] .
وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21] .
(1) متفق عليه.