أيها المسلمون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في دعوته الناسَ وتربيته لهم، فقد مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، مع نشاط وحرص، واستمرار وتفكير وتخطيط؛ من أجل توسيع نطاق الدعوة وانتشارها.
فقد دعا في مكة الأفراد والقبائل، ثم انتقل إلى الطائف، ثم فكر بملاذ آمن يحتضن الدعوة وأهلها، فكانت الهجرتان إلى الحبشة، ثم الهجرة إلى المدينة. ففي هذا قدوة صالحة للدعاة إلى الله تعالى في الإخلاص في الدعوة، والحركة بها والاستمرار عليها.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي الصحابة ويعلمهم بقوله وبفعله، بالكلمة الطيبة، والأسلوب الحسن، والموعظة المؤثرة.
فعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) [1] .
وعن أنس بن مالك قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه، دعوه) ، فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن) ، فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه [2] .
أيها الفضلاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في قيادته العسكرية، فقد بلغ بذلك أعلى أسنمة القيادة وشرفها. فقد كان ذا حنكة ودراية، وتفكير وتخطيط، ودقة وعمق في رسم الأهداف، وكيفية التوجه إليها في الوقت المناسب والحال الموافقة للنجاح.
ولم يكن ظالمًا ولا جبارًا ولا مستبدًا برأيه، بل كان عادلًا رحيمًا معتمدًا على الشورى والأخذ بالآراء الصحيحة. قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159] . ففي هذا قدوة لكل قائد يريد النجاح في قيادته، وتماسك من تحت رعايته، والظفر بالأهداف المرجوة.
أيها الأحبة الكرام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في حكمه وسياسته الناس، فقد كان صلى الله عليه وسلم حاكمًا عادلًا عالمًا بماذا يحكم، وكيف يسوس الرعية فيحافظ على الدين والدنيا. فقد كان عليه الصلاة والسلام صاحب معرفة بالواقع الذي يحكم فيه، والناس الذين يقودهم، وكان ذا معرفة بكيفية التعامل مع الأحداث الداخلية والخارجية. ولم تكن سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمة على الجور حتى مع القريب الحبيب.
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.