ومن أمارات حرصه: ما فعله عند احتضار عمه أبي طالب، فعن ابن المسيب عن أبيه
: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل فقال: (أي عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) . فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: إنه على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنه) . فنزلت: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة:113] ، ونزلت: {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص:56] ) [1] .
ففي هذا قدوة للمسلم في إكرام أقاربه والإحسان إليهم، وبذل النصيحة لهم.
أيها المسلمون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في معاملة أصهاره: أزواج بناته، فقد كان عليه الصلاة والسلام يزورهم وينصحهم، ويثني عليهم، ويصلح بينهم وبين بناته إن حصلت مشكلة.
فعن سهل بن سعد قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة فلم يجد عليًا في البيت فقال: (أين ابن عمك) ؟. قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج، فلم يقل عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: (انظر أين هو) ؟. فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول: (قم أبا تراب، قم أبا تراب) [2] .
وعن علي رضي الله عنه: أن فاطمة رضي الله عنها شكت ما تلقى من أثر الرَّحى فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم سبيٌ فانطلقت فلم تجده فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بمجيء فاطمة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلينا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت لأقوم فقال: (على مكانكما) . فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري وقال: (ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني؟، إذا أخذتما مضاجعكما تكبران أربعًا وثلاثين، وتسبحان ثلاثا وثلاثين، وتحمدان ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم) [3] .
وعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطب ابنة أبي جهل على فاطمة رضي الله عنها فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال: (إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها) . ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس-يعني أبا العاص زوج زينب رضي الله عنهما- فأثنى عليه في مصاهرته إياه. قال: (حدثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي، وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله أبدًا عند رجل واحد) [4] .
(1) متفق عليه.
(2) رواه البخاري.
(3) رواه البخاري.
(4) متفق عليه.