فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 309

ومن الدروس الاقتصادية: تفاوت الناس في الأرزاق، وهذا راجع إلى علم الله تعالى وحكمته، فليس الخير دائمًا في الغنى، وليس الشر في الفقر، بل الخير في الرضا بقسم الله تعالى واختياره، قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء:30] ،

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس) [1] . وفي هذه القصة ظهر هذا التفاوت بين الخصمين اللذين تخاصما إلى داود عليه السلام، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} [ص:23] .

ومن الدروس الاقتصادية: أن الغنى الطاغي صاحبُه قد يسوقه إلى الطمع وعدم القناعة، وإلى ظلم الآخرين! والواجب على المسلم إذا أعطاه الله تعالى الغنى أن يشكر الله تعالى ويقنع بما أُعطي، ويتقي ظلم الناس والتعدي على أموالهم وحقوقهم، فأحد الخصمين اللذين احتكما إلى داود ملك تسعًا وتسعين نعجة ومع ذلك لم يقنع، بل أراد أخذ نعجة أخيه التي لا يملك غيرها!! {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص:23] .

ومن الدروس الاقتصادية: أن الشركة في الأموال مظنة الظلم، إلا إذا كان الشركاء يراقبون الله تعالى، وبُنيت الشراكة بينهم على أسس شرعية ومالية وإدارية صحيحة، وهنا قال داود عليه السلام للخصمين: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص:24] .

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أيها المسلمون، ومازالت هذه السيرة العطرة لهذا النبي الكريم تفيض بالعبر والعظات والدروس، ومن دروسها العامة: أن الفضل ليس بتقدم السن، ولا بالأبّوة؛ إذ لا يلزم أن يكون الكبير أفضل من الصغير، ولا الأب أفضل من الابن، فالفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ففي هذا القصة ظهر فضل فهم سليمان على أبيه بتفهيم الله إياه، ولكن ذلك لا ينقص من قدر داود عليه السلام، قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:79] .

(1) رواه أحمد والترمذي والبيهقي، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت