فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 309

هكذا كانت دعوته الحسنة لهم، وهكذا كانت إجابتهم الخشنة له. لقد استمر هود في دعوته لهم صابرًا على أذيتهم، باذلًا لهم نصحه ومُبديًا خوفه عليهم، فما ازدادوا إلا طغيانًا وكفرًا وعنادًا وبغيًا.

فجاءت سنةُ الله تعالى في عقوبة الظالمين الذين صارت هذه النعمة نقمة عليهم حينما لم يشكروها، فحقت عليهم الحاقة بعد إقامة الحجة عليهم وإمهالهم، فأرسل الله تعالى عليهم بعضَ جنوده ليذهب تلك القوةَ المتغطرسة المتجبرة وكأنها لم تكن.

قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ} [فصلت:16] .

وقال: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [[الحاقة:6 - 8] .

وهكذا تطوى صفحةُ الظالمين المتكبرين بقوتهم وقدرتهم عندما صرفوها في الجور والطغيان، {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45] .

فماذا أغنت عنهم قوتهم لما جاءهم بأسُ الله تعالى؟، وهل دفعت عنهم العقوبة والعذاب؟، وماذا أفادهم غرورهم بما يمتلكون من القوى؟!، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات:26] .

أيها المسلمون، فهل من معتبر من الأقوياء المتجبرين؛ لكي يرجع عن غيه وتكبره بقوته الظالمة؟!

لقد ذكر الله عز وجل هذه القصةَ في السور المكية ليتلوها رسول الله صلى الله عليه وسلم على كفار قريش الصادّين عن الإسلام المتباهين بمكانتهم وقوتهم؛ لعلها أن تستجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تغترّ بما عندها من أسباب القوة.

عباد الله، إن أعداء الإسلام اليوم-في ظلّ ضعف المسلمين- طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، واستكبروا بقوتهم في الأرض بغير الحق وقالوا بلسان مقالهم ولسان أفعالهم: من أشد منا قوة؟!

ومن منطلق هذا التعجرف والصلف تجبروا وطغوا وسعوا في تخريب بلاد المسلمين وإشعال الفتن بينهم، وتسويق مشروعات الصراعات والاضطرابات فيهم. إنهم ليسوا جاهلين بتاريخ سنن الله في الظالمين، فقد قرأوا ووصلت إليهم الأنباء فلم يرعووا عن غيهم، وبلَغتهم نصيحةُ الناصحين في عصرنا فلم يستجيبوا لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت