فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 309

أيها المسلمون، فعلُ المعروف للخلْق خلق جميل، وسلوك نبيل، ينبئ عن نفس كريمة تزخر بحب الخير للناس، وإرادة سعادتهم، وزوالِ ما يؤلمهم ويضرهم. لكن الناس في فعل المعروف ليسوا سواء، فمنهم من يكره فعل المعروف ولا يحب قربانه، وهذا يكشف عن روح مكفهرة لا تعرف طريق الخير، ولا سبلَ السعادة، وينمِي عن نفس حقود تمتلئ بالكراهية والبغض والأثرة المقيتة، وأصحاب هذه النفوس هم وحوشُ المجتمعات ولو استأنسوا.

ومن الناس من يفعل المعروف الظاهر في العظمة والكثرة، وينأ بنفسه عن المعروف القليل في نظره؛ باعتبار أوله. وهذا الإنسان بهذا الانتقاء والاستعلاء يفوِّت على نفسه خيرًا كثيرًا، ويضيع على الناس فرصًا من نفسه كان يقدر عليها تجلب له ولهم خيرًان أو تدفع عنهم ضررًا.

ومن الناس من تسابق نفسه إلى فعل المعروف كثيره وقليله، ويحرص على تتبعه وملاحقة موارده؛ لعله يظفر بأجر وثواب، وينفع غيره بتحصيل خير لهم أو دفع شر عنهم. وأصحاب هذه النفوس المتألقة في سماء المعروف هم أنوارُ المجتمعات، ومعارج سعادتها وراحتها، وهم الظافرون بالخير الكثير.

عباد الله، إن الحياة الإنسانية حياة تقوم على الاجتماع والعيش المشترك الذي يبنى على استفادة بعض الناس من بعض، ولن تتم مصالحهم إلا بالمقايضة كالبيع والشراء، كل يعطي الحياة شيئًا ويأخذ منها شيئًا آخر.

ومن استغنى بنفسه عن غيره في نهاره فضحته الحاجه إلى سواه في ليله، ومن وثق بما يملك من غير نظر إلى الآخرين في مسائه، ألجأته الضرورة إليهم في صباحه.

إذًا فمقتضى هذه الحياة الجماعية الحاجةُ إلى وجود المعروف بين الناس: إما بالأقوال، وإما بالأفعال، وإما بالأحوال. وقد تبدو بعض أنواع المعروف لدى بعض الناس تافهة لا تستحق الإقبال عليها، وذلك بالنظر إلى قدرها أو صفتها أو جهتها. ولو تأمل الإنسان في عواقبها وآثارها لما احتقرها وفرّ منها.

مرّت فتاةٌ برجل يتكفف الناس ففتحت حقيبتها لتعطيه فلم تجد مالًا، فقالت: عفوًا يا أبي، لقد نسيت المال، سأذهب وأحضره لأعطيك، فقال: يا ابنتي، لقد أعطيتني ما لم يعطني الناس، لقد أعطيتني كلمة أبي!

وتفكروا معي في قصة موسى عليه السلام مع ابنتي صاحب مدين كيف نال بمعروفه القليلِ الخيرَ الكثير: لقد نال الأمان، والزوجة الصالحة، والعمل النافع، والعيش السعيد.

أيها الأحبة الكرام، عيادة المريض، وزيارة الإخوان في الله قد يظنهما بعض الناس عملين ليس لهما أثر كبير، بلى إن لهما أثرًا كبيرًا، واسمعوا هذين الحديثين المتضمنين قصتين مؤثرتين، عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له: (أسلم) . فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم، صلى الله عليه وسلم، فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) [1] .

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت