فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 309

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) [1] .

أيها الإخوة الفضلاء، لقد ذكرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث النهي عن احتقار المعروف الحثَّ على فعل الخير مهما قل في أعين الناس، وذكر لذلك بعض الأمثلة، وصدّر تلك الأمثلة بالنهي عن احتقار المعروف؛ لأن احتقار العمل يُزهِّد الإنسانَ المحتقر له، ويبعده عن فعله.

فمن تلك الأمثلة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) وفي الرواية الأخرى: (ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط) .

إن طلاقة الوجه وبشاشته عمل سهل، وله أثر كبير في نفوس المتلقين، فهو يدخل البهجة والسرور والاطمئنان عليهم. والوجه الباسم يحبب صاحبه إلى الناس، وينشر فيهم الأمان والخير. والابتسامةُ دواء من الأدوية، ولكن ليس لها أعراض. وهكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن جرير رضي الله عنه قال: (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي) [2] .

ومن أمثلة المعروف التي ذكرها رسول الله عليه الصلاة والسلام قوله: (فإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها) وتوضحها رواية مسلم حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) . إن الجار له حق على جاره، ومن حقوقه: بذل المعروف له؛ لأن ذلك مما يوطِّد العلاقة بين الجيران، ويقرب بعضهم إلى بعض، وقال عليه الصلاة والسلام: (يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) [3] . هذا بإهداء الطعام، وكذلك من المعروف بين الجيران: بذل الكساء والدواء، والشفاعة الحسنة، والإعانة على أمور الدين والدنيا، فمن لم يجد فبالكلمة الطيبة، وكف الأذية عنهم.

أيها المسلمون، ومن الأمثلة التي ذكرها رسولنا عليه الصلاة والسلام: قوله: (ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شِسع النعل) . والمعنى: احرص على فعل المعروف ولا تستصغره، ولو أن تعطي إنسانًا قطعة من حبل يكمل بها حبله ليقضي حاجته. ولو أن تعطي إنسانًا شسع النعل ليمشي عليه [4] .

ومن الأمثلة كذلك قوله: (ولو أن تنزع من دلوك في إناء المستسقي) . يريد أن لا تحتقر هذا المعروف وهو أن تعطي مريدَ الماء ما قد جمعته في وعائك؛ رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف.

ومن الأمثلة: قوله عليه الصلاة والسلام: (ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم) . يعني: الترغيب في إزالة الأذى من طريق المسلمين من شوك أو أحجار أو نجاسات أو نحو ذلك مما يؤذي الناس. وهذا العمل من أعمال الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن

(1) رواه مسلم.

(2) متفق عليه.

(3) متفق عليه.

(4) شسع النعل: هو أحد سيور النعل أي: الذي يدخل بين الأصبعين ويدخل طرفه الآخر في صدر النعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت