وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [المؤمنون:18 - 19] . وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ} [الزمر:21] .
أيها الفضلاء، إن هذه النعمة تستحق منا التأمل والنظر المتدبر في أسبابها وآثارها ونزولها وما يحتف بها من آيات الله تعالى؛ حتى يعظم شكرنا لله تعالى عليها، ويزداد إيماننا به عز وجل حتى لا يحرمنا هذه النعمة؛ ولهذا أمر الله تعالى بهذه العبادة وهي عبادة النظر والتأمل إلى هذه النعمة وآثارها فقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} {ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا} {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} {وَعِنَبًا وَقَضْبًا} {وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا} {وَحَدَائِقَ غُلْبًا} {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس:24 - 32] .
لو فكّر الإنسان-أيها الأحبة- في انقطاع هذه النعمة عنه هل سيعيش بدونها، وهل سيدوم بقاؤه بفقدها؟ قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك:30] .
فلا حياة في الدنيا إلا بهذه النعمة.
عباد الله، إن المطر آية من آيات الله تعالى التي تدل على قدرته العظيمة التي لا حدّ لها، فمن الذي يستطيع أن يغيث الناس بالمطر فيذهب ظمأهم، ويلطّف الجو الشديد الحرارة الذي يَصليهم؟ لا أحد سوى الله جلّ جلاله، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} {أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ} {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ} [الواقعة:68 - 70] .
وحينما ينزل الغيث على الأرض القاحلة الممحلة فيحييها بالنبات والمنظر المشرق، فتصير حية بعد موتها يكون ذلك آية على قدرة الله على إحياء الموتى، فهو آية صغرى تدل على آية كبرى، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت:39] .
وهو دليل على عجز الإنسان وحاجته التي لا يجبرها إلا الله تعالى، فلا ساقيَ للناس ولا مغيث لهم من شبح الجدب إلا الله، قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر:22] .
يعني: ليست خزائنه عندكم، بل الله هو الخازن له ينزله متى يشاء [1] .
(1) أضواء البيان (2/ 273) .