فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 309

ولأهمية هذا الخلق الكريم-عباد الله- فقد كان الأمر به مما أُوحي إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام:"وإن الله أوحى إليّ أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد) [1] ."

بل قال الله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر:88] ، وقال له أيضًا: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159] .

وقد تمثّل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخلق الكريم في حياته كلها، فسيرته النضرة مليئة بالأمثلة المشرقة الدالة على تواضعه الجم.

فقد كان عليه الصلاة والسلام ينقاد للحق ويقبله ممن جاء به، وكان ينهى عن إطرائه والمبالغة في مدحه، وكان يعود المرضى، ويشيّع الجنائز، ويشارك أصحابه في الأعمال؛ كما في بناء المسجد، وحفر الخندق.

وكان يجيب دعوة الطعام ولو إلى شيء يسير، ويقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، ويستجيب لدعوة الأرقَّاء ويجلس معهم ويشفع لهم لدى مواليهم، وكان يجلس مع الضعفاء والمساكين ويأكل معهم، وكان لا يتخير وجوه المجالس، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس، ولا يحب أن يتثمل له الناس قيامًا، فكان إذا دخل لم يقم له أحد؛ لعلمهم بكراهيته لذلك، وكان يقاسم أصحابه الابتسامة، ويمزح معهم، ويستمع إلى أحاديثهم وأخبارهم.

وكان يلبس من الثياب ما وجد، ولا يبحث عن ثياب الغرور والخيلاء، بل يردها، ويسكن في حجرات صغيرة مع أزواجه، وينام ويجلس على ما خشن من الفراش؛ إذ لم يجد غيره.

وكان يعين أهله في حوائج البيت، ويقوم بخدمة نفسه بنفسه: فيفلي ثوبه ويخيطه، ويحلب شاته، ويخصف نعله.

وكل هذا تدل عليه أحاديث عن سيد المتواضعين صلى الله عليه وسلم.

أيها الأحبة الفضلاء، إن الشمائل الحسنة حينما تترجم إلى أعمال في الواقع فيراها الحاضر، أو تبلغ البعيدَ سماعًا أو قراءة تكون أكثر تأثيرًا، وتصبح نموذجًا صالحًا للاقتداء، فالأفعال أبلغ في التأثير من الأقوال غالبًا.

وفي قِصص القرآن الكريم نجد نماذج حسنة من العمل بخلق التواضع من الأنبياء أو الصالحين من أتباع الأنبياء عليهم السلام، فيكون في ذلك دعوة للتأسي بهم في هذا الخلق الحميد.

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت