فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 309

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعده:

أيها المسلمون، لقد أعطى الله تعالى نبيه سليمانَ عليه السلام النبوة والعلم والمُلك وما فيه من القوى؛ ككثرة الجنود، وكثرة المال، واتساع الأرض التي تدين له بالانقياد والطاعة.

ومع ذلك تواضع لله تعالى ولعباد الله؛ فاعترف لله بالنعمة، وسخرها في طاعته، واستعملها في إفادة الخلق، وإزالة الضرر عنهم. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15] .

وحينما خرج مع جنده مارّين بوادٍ للنمل، وسمعَ خطاب النملة لقومها-وكان قد علمه الله منطق الحشرات والطير- تواضع لله بهذه المعرفة ولم يتكبر بها، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [[النمل:18 - 19] .

وعندما أرسل رسالة إلى ملكة سبأ قال: {إنه من سليمان} [النمل:30] . فلم يقل: إنه من صاحب الجلالة والفخامة والزعامة، أو إنه من ملك الجن والإنس والطير والرياح، وإنما ذكره اسمه مجردًا: {إنه من سليمان} .

ولما وصل إليه عرش بلقيس من مأرب وهو في الشام بتلك السرعة والقدرة لم يتكبر ولم يتجبر بما أُعطي من القوى والقدرات، بل قال: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40] .

فقارنوا-عباد الله- ما حصل من سليمان عليه السلام من ألوان التواضع مع ما عنده من القدرات والقوى التي أعطاه الله إياها، مع ما حصل من فرعون وقارون وصاحب الجنتين من الغرور والزهو والأشر والبطر بما أُعطوا من نعم وقوى.

ففرعون ساقه جنون الغرور بالملك وما فيه إلى ادعاء الربوبية والألوهية، وإلى ردّ دعوة الحق التي جاء بها موسى وهارون عليهما السلام، وإلى ظلم الخلق بأنواع من العسف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت