فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 309

أيها المسلمون، إن الإنسان الصالح إذا منّ الله تعالى عليه بقوة من القوى تواضع بها لله ولعباد الله، فشكر اللهَ تعالى عليها، ورأى أنها ابتلاء من الله فاستعملها فيما يرضيه.

فنفع بها نفسه، ونفع بها غيره ولم يتكبر بها على الناس، ولم ير لنفسه منزلة عالية يطلّ منها عليهم بكبر واحتقار.

فذو القرنين رحمه الله أعطاه الله تعالى قوة الملك التي استطاع بها فتح المدائن، وبسط العدل بين الناس، وقهر الظالمين لهم، فلم يتكبر بهذه القوة ويظلم الناس بها، بل تواضع فيها فنسبها إلى الله تعالى، ونفع بها عباده؛ ولذلك قال: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} {وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف:87 - 88] .

ولما بنى السد الذي يحجز عن إفساد يأجوج ومأجوج قال: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} [الكهف:98] . فلم ينسبه إلى نفسه وحرصه، فحصول هذا السد رحمة من الله بعباده، أو الإقدار على إقامته رحمة من الله ونعمة.

لكن الإنسان إذا لم يكن من أهل الهدى والصلاح فآتاه الله قوة من القوى فإنه ينسبها إلى نفسه، وإلى قدرته واستحقاقه، وقد يظلم بها العباد، وينشر الفساد، ويطغى في البلاد، ويتكبر على الخلق، وينسلخ عن التواضع.

ومن أمثلة ذلك في قصص القرآن الكريم: قصة عاد الذين تكبروا بقوتهم على الخلق، واستكبروا عن الإيمان بالخالق، وطاعة رسله؛ فلذلك حلّ بهم النكال والزوال. قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ} [فصلت:15 - 16] .

واليوم تتباهى قوى الكفر بما تملك من أسباب القوى المادية التي استكبرت بها على الله تعالى، فأعرضت بها عن الإيمان به، والدخول في دينه، وتسخير تلك القوى في مرضاته.

وتكبرت بها على المسلمين فتسلطت عليهم، وشنت عليهم الحروب المتنوعة التي جرّت على أهل الإسلام القتل والجراح، والشقاء وتضييق الحياة، والسيطرة على القرار بينهم.

ونحن إذا رجعنا إلى الله تعالى صادقين، وعملنا بأسباب النصر فإننا ننتظر عما قريب بهؤلاء الأعداء المتكبرين أن يحل بهم ما حل بأسلافهم المستكبرين، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102] .

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت