فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 309

عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فكلمه فجعل ترعد فرائصه، فقال له: (هوّنْ عليك؛ فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القَدِيد) [1] .

أيها الأحبة الفضلاء، إن التواضع يدعو صاحبه إلى قبول الحق ممن جاء به، ويحثه على الاستفادة العلمية أو العملية ممن هو أدنى منه سنًا أو علمًا أو قدرًا، ففي قصة موسى مع الخضر عليهما السلام تأديب لنا على هذا الخلق.

فموسى عليه السلام ذو منزلة عظيمة عند الله تعالى، وعند الناس؛ فهو كليم الرحمن، ومن أولي العزم من الرسل، ومؤيَّد بالمعجزات الباهرات، وأنزل الله إليه التوراة، وكان عند الله وجيهًا.

ومع ذلك رحل إلى الخضر عليه السلام ليتعلم منه، فتأملوا -معي أيها الأحبة- في ظهور أدب التواضع من موسى عليه السلام مع معلمه الخضر الذي هو أقل منه منزلة ودرجة.

فقد خاطبه هذا الخطاب المتواضع قائلًا: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف:66] .

فطلب منه التعليم بهذا السؤال: {هل أتبعك} ؟، وفيه من حسن الخطاب والاستئذان ما فيه، ثم إنه جعل نفسه تابعًا للخضر فقال: {أتبعك} ، وهذا من عِظم التواضع، ثم إنه جعل نفسه جاهلًا محتاجًا إلى تعليم الخضر فقال: {على أن تعلمني} ، وفيه وصف للخضر بأنه أهل لتعليمه.

ثم إنه وعد من نفسه الالتزامَ بالطاعة وعدم العصيان، فقال: {قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف:69] .

وهذا من التواضع العظيم.

أما من أصيب بداء الكبر فإنه يرى نفسه كاملًا لا ينقصه تعلُّم عند غيره، ولا استفادة بيانٍ من سواه، خصوصًا ممن هو أدنى منه؛ لأنه يرى نفسه على سنام الحق، وعزة العلم والمعرفة.

فلذلك إذا جاءه ناصح أو مصحح يهدي له الحق ردّه عليه ولم يقبله منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس) [2] .

(1) رواه ابن ماجه والحاكم، وهو صحيح.

(2) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت