تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ:54] . فيا عاقلًا بادر قبل أن تُبادر، واستعجل فعلَ المعروف ولا تستأجل، وأتعِب نفسك اليوم قليلًا قبل أن تتعب غدًا كثيرًا، وعباد الله المتقون يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
معشر المسلمين، إن مما يساعد المسلمَ على فعل المعروف والمسابقة إليه: التطلع إلى ما أعده الله تعالى لأهل الطاعات من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة. والعيش في البيئة الصالحة المساعدة على المعروف، ومرافقة الجلساء الاتقياء الحريصين على الخير. وأن يتذكر المسلم أنه كما يصنع المعروف للناس فسيهيئ الله من يصنع له المعروف وقت حاجته، وسيصرف الله عنه من السوء بسبب صنعه المعروف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر) [1] . وقال: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والآفاتِ والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة) [2] .
وأن يتذكر أيضًا الآثارَ الحميدة لهذه الأعمال من الخير، ومن تلك الآثار: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاستقت له به فسقته إياه، فغُفِر لها به) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينا رجل بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له) . قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرًا؟ فقال: (في كل ذات كبد رطبة أجر) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: فلقي الله فتجاوز عنه) [3] .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل معروف صدقة) [4] .
عباد الله، إن المجتمع إذا حرص أهله على فعل المعروف-ولو كان صغيرًا- سادت بينهم المحبة، واشتدت بينهم عرى الأخوة، وفُرِّج عنهم شيءٌ من كرباتهم، وحُلّت بعض مشكلاتهم، وحصلت بينهم السعادة والألفة.
فيا أيها المسلم، كن من المبادرين إلى المعروف، وأخلص لله فيه، واستمر عليه، ولا تحتقره إذا كان قليلًا أو صغيرًا؛ فإن المعروف الصغير يضاف إلى مثله فيصير كبيرًا، حتى يبلغ مبلغًا بالتتابع ما كان يظن صاحب المعروف أن يبلغ إلى ذلك. والسعيد من عرفه الخالق من السابقين المخلصين، وعرفه المعروف من المقبلين المحبين، وعرفه الخلق من الباذلين المحسنين، وغدًا يلتقي الزُرَّاع والحصاد، فطوبى لمن أحسن، ونعمت الثمرة لمن رعاها ورباها، وجاد عليها وحماها.
هذا وصلوا وسلموا على خير البرية ...
(1) رواه الطبراني، وهو حسن.
(2) رواه الحاكم، وهو صحيح.
(3) متفق عليه.
(4) متفق عليه.