فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 309

عباد الله، إن الشدائد التي تمر بها بلادنا وبعض بلاد المسلمين اليوم كسوريا والعراق وليبيا قد تفاقمت، وشدّ بعضها أزرَ بعض حتى ضاقت بالناس المسالك، فظن كلٌّ منهم أنه هالك.

ولكن الأزمة الغذائية قد تصدرت صفحة الأزمات، فقد امتد عناؤها، وتطاير شررها حتى وصل إلى بيوت كثيرة.

بل ظهرت مجاعات في بعض المناطق أدّت ببعض أهلها إلى الهزال المخيف، أو الموت بعد المعاناة، كما ظهرت حالات فردية ذاقت شدةَ البؤس؛ لكونها لا تجد لقمة العيش اليومي التي يعيش بها ذو كبد.

وما زالت الأيام تنذر بقادم مجهول لا يُدرى ماذا يخبئ في جعبته من المفاجآت، ولكن نسأل الله أن يفرج عن المسلمين في كل مكان ما ألمّ بهم من الشدائد والمحن، وأن يجمع كلمتهم على الحق المبين.

أيها المسلمون، إن الأزمات الغذائية عدو يهدد المجتمعات، مهما كان عندها من أسباب الكفاية والغنى؛ لأنه قد يأتيها فجأة، أو زائدًا على الاستعداد الذي يواجهها، أو تجتمع لحصوله أسباب غير مقدور على دفعها.

فواقعنا المَعيش في هذا العصر فيه نماذج من كوارث المجاعات التي اجتاحت أماكن معينة من العالم، حتى سقطت بسببها أعداد غير قليلة من موتى الجوع والظمأ والمرض.

وأما في العصور السابقة لعصرنا فهناك أمثلة كثيرة من طوفان المجاعة والمسغبة الذي جرف في طريقه إلى الموت والفناء آلافَ البشر، بل وصلت الأحوال البائسة في تلك العصور الخالية جرَّاءَ المجاعة الشديدة إلى مشاهد يصعب تصورها، كما يذكر ذلك بعض المؤرخين.

فمن أمثلة المجاعات في التاريخ الإسلامي: ما ذكره ابن كثير رحمه الله في كتابه"البداية والنهاية"، فقد قال في حوادث السنة الثامنة عشرة للهجرة في عام الرمادة:"كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، وجاع الناس جوعًا شديدًا وقد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز، وجفلت الأحياء إلى المدينة، ولم يبق عند أحد منهم زاد، فلجأوا إلى أمير المؤمنين (أي: عمر رضي الله عنه) فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الأطعمة والأموال حتى أنفذه، وألزم نفسه أن لا يأكل سمنًا ولا سمينًا حتى يكشف ما بالناس" [1] .

وفي حوادث سنة (334 ه) قال ابن كثير:"وفي هذه السنة وقع غلاء شديد ببغداد حتى أكلوا الميتة والسنانير والكلاب" [2] .

(1) البداية والنهاية (7/ 90) .

(2) المصدر السابق (11/ 213) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت