وفي حوادث سنة (462 ه) قال:"وفيها كان غلاء شديد بمصر فأكلوا الجيف والميتات والكلاب، فكان يباع الكلب بخمسة دنانير، وماتت الفيلة فُأكلِت مِيتاتها، وأُفنيت الدواب" [1] .
وفي حوادث سنة (492 ه) قال:"وفيها غلت الأسعار جدًا ببغداد، حتى مات كثير من الناس جوعًا، وأصابهم وباء شديد حتى عجزوا عن دفن الموتى من كثرتهم" [2] .
وذكر أشياء أخرى فظيعة جدًا من آثار تلك المجاعات.
أيها الأحبة الفضلاء، إن أيام الشدائد تكشف عن معادن الرجال، وحقائق النفوس، وتظهر ما فيها من خبايا الأخلاق والأعمال.
ففي الأزمة الغذائية يظهر من المسلمين المصابين بها الذين لا يجدون ما يذهبها أو يخففها عنهم أعمال وأخلاق متباينة:
فمنهم من يتجلَّدون لها، ويصبرون فيها على شظف العيش، وقلة القوت، وتبدو عليهم القناعة والعفة، ويتسلّون بالأجر المترتب على الصبر على البلاء، وبوجود أقوام آخرين يعانون ما يعانون أو أشد منهم معاناة.
فهم حينما يقرأون حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه رضي الله عنهم وما لقوا من ضيق العيش وشدة الحال في بعض الأوقات حتى ربطوا الحجارة على بطونهم أحيانًا من شدة الجوع، وربما عاش الواحد منهم يومه كاملًا على تمرة واحدة، كما في سرية الخبَط، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما بات ليالي طاويًا لا يجد ما يتعشى به عليه الصلاة والسلام؛ فإنهم عند معرفة ذلك يجدون مَسلاةً وضياء ينيرون به طريقهم في دياجي أزمة الجوع.
ومن الناس المصابين بأزمة الجوع من يظهرون الجزع الشديد، والهلع الكثير، وقد يركبون مطايا الحرام المتعلق بحقوق الناس؛ ليصلوا إلى الغذاء.
وأما الذين سلِموا من الأزمة الغذائية لكونهم في غنى أو كفاية في أرض الأزمة، أو لبعدهم عن مكان الكارثة؛ فهم بين متغافل عما يحدث لإخوانه، ممسك لماله، ليس له هم إلا نفسه ومصالحه، غير ناظر بعين الرحمة إلى أهل المجاعة، ولا يعتبر بأن دوران الدوائر قد يصل إليه.
(1) المصدر السابق (12/ 99) .
(2) المصدر السابق (12/ 157) .