ومن أهل الغنى أو الكفاية من يشعر بآلام الجوعى، ويحس بمعاناة البؤساء، فتتحرك فيه ينابيع الرحمة والعطف ليجود عليهم ويسخو بشيء من ماله وعونه، ويتابع كرمه حتى تذهب عنهم الضراء.
يذكر أن رجلًا يقال له: العرجي كان غازيًا فأصابت الناسَ مجاعةٌ، فقال للتجار: أعطوا الناس، وعليَّ ما تعطون، فلم يزل يعطيهم ويطعم الناس حتى أخصبوا، فبلغ ذلك عشرين ألف دينار، فألزمها العرجي نفسه، وبلغ الخبرُ عمرَ بن عبد العزيز فقال: بيت المال أحق بهذا، فقضى التجارَ ذلك المالَ من بيت المال [1] .
أيها الأحبة الكرام، إن إطعام الجوعى، والصدقة على المحتاجين بالغذاء أيام البلاء من أعظم الأعمال الصالحة التي يُتقرب بها إلى الله تعالى؛ لأن الغذاء هو قوام البدن، ووقود استمرار الحياة الدنيوية.
وهذا العمل له فضل عظيم عند الله تعالى، وله آثار حسنة تعود على صاحبه في الدنيا والآخرة؛ فهو من أعظم أسباب تفريج الكرب عن الإنسان، وعونه على مصالح دينه ودنياه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفَّسْ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) [2] .
وهو من أسباب النجاة من المكاره؛ فقد ذكر الإمام الشوكاني في كتابه"البدر الطالع"أنه كان هناك رجل ذو دين وصدقة، فاتفق أنه بنى مسجدًا يصلي فيه، وجعل يأتي ذلك المسجد كل ليلة بالسراج وبعشائه، فإن وجد في المسجد من يتصدق عليه أعطاه ذلك العشاء، وإلا أكله وصلى صلاته، واستمر على ذلك الحال، ثم إنها اتفقت شدة ونضب ماء الآبار، وكانت له بئر، فلما قل ماؤها أخذ يحتفرها هو وأولاده، فخربت تلك البئر والرجل في أسفلها خرابًا عظيمًا، حتى إنه سقط ما حولها من الأرض إليها فأيس منه أولاده، ولم يحفروا له، وقالوا: قد صار هذا قبره، وكان ذلك الرجل عند خراب البئر في كهف فيها فوقعت إلى بابه خشبة منعت الحجارة من أن تصيبه، فأقام في ظلمة عظيمة، ثم إنه بعد ذلك جاءه السراج الذى كان يحمله إلى المسجد، وذلك الطعام الذى كان يحمله كل ليلة، وكان به يفرق ما بين الليل والنهار، واستمر له ذلك مدة ست سنين والرجل مقيم في ذلك المكان على تلك الحال، ثم إنه بدا لأولاده أن يحفروا البئر لإعادة عمارتها، فحفروها حتى انتهوا إلى أسفلها، فوجدوا أباهم حيًا، فسألوه عن حاله، فقال لهم: ذلك السراج
(1) ينظر: الأغاني، للأصفهاني (1/ 381) .
(2) رواه مسلم.