الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:
أيها المسلمون، إن المطلوب في ظل الأزمة الغذائية أن يصبر المبتلى بها صبرًا جميلًا لا ضجر فيه ولا شكوى، والصابرون يوفون أجرهم بغير حساب. وليعلم المبتلى بضيق العيش أنه ليس على الطريق وحده؛ فقد سبقه عليه أقوام إثر أقوام بُلوا أشد مما بُلي، وجاعوا أكثر مما جاع، و"في كلِّ وادٍ بنو سعد"، كما قيل.
وفي واقعهِ لو فتَّش سيجد من هو أشد منه ضررًا ومسغبة، ولكن بعض الناس لا يظهرون حاجتهم تعزُّزًا وتعفُّفًا وتكرمًا. {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا و} [البقرة:273] .
ومما تواجه به الأزمة الخانقة-معشر الفضلاء-؛ حتى يخف وقعها، ويقرب ارتفاعها-: حسنُ التدبير للمعيشة على المستوى العام، وعلى المستوى الخاص، على الحكومات، وعلى أفراد الشعوب.
فعلى المستوى العام: أن يكون هناك استعداد غذائي ومالي تُسد به الحاجات إذا طرأت، وتعالج به هذه المشكلات إذا نزلت.
كما فعل نبي الله يوسف عليه السلام لما تولى خزائن مصر للعزيز، فإنه لما عبر للملك رؤيا السبع البقرات السمان، والسبع السنبلات الخضر بسبع سنين مخصبات، والسبع البقر الأخريات، والسبع السنبلات اليابسات بسبع سنين مجدبات، وعرف الملك فضل عقله، وجودة رأيه، وعرف يوسفُ أهمية حسن التدبير الغذائي فيما سيأتي من السنوات؛ فإنه طلب من الملك أن يوليه أمر خزائن الدولة؛ ليحسن مدافعة هجوم السنوات المجدبات بحسن التدبير في السنوات المخصبات، قال تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55] .
وقد كان تدبيره المالي: أنه زرع أرض مصر في السنوات السبع المخصبات زروعًا كثيرة، وجبى من الأطعمة شيئًا كثيرًا، وأودع تلك الأغذية في مخازن أُعدِت لذلك، فلما جاءت السنوات السبع المجدبات صرفَ ذلك المخزون على الناس، وأذهب بحسن تدبيره الجوعَ عن الناس.
وأما التدبير الخاص فيكون على مستوى الأسرة بالتخفيف من الكماليات، والنظر إلى الضروريات، وعلى مستوى الأقارب والجيران وذلك بالاشتراك الغذائي واقتسام لقمة العيش بين الجميع؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن