فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 309

يرون من اشتداد الألم قربَ العافية، كما يرون من اشتداد الليل قرب الصباح، فهم نجوم الحياة التي لا تنطفئ، وبُناة صرحها الشامخ الذي يسمو ويتلألأ مع الشمس الحارقة.

لا تستمر الحياة ولا تطيب إلا بالتفاؤل والمتفائلين، كما أنه لا استقرار لها إلا بالصلاح والمصلحين.

أيها الإخوة الفضلاء، لئن قال القائل في هذه الأيام-لصدقَ وصُدِّق-: قد مسنا الضر، وأحاط بنا البلاء، وتعدّدت مصائبنا، وضاقت معايشنا، نعم، هذا غيض من فيض، وجزء من كُلٍّ مما أصاب الناس، ولكن مع كل ما يبدو من الآلام والمآسي والشحوب على جبين الواقع المرير، يبقى الإيمان الصادق، والرجاء المستمسك بزمام التفاؤل ينقذان أهلهما من الخرور إلى منحدرات اليأس، والانهيار إلى قاع الجزع.

فالحياة الدنيا غير مستقرة على حال، وزمانها ليس مكانًا لدوام السعادة وطِيبِ العيش، فتقلّب أحوالها، وتبدّل أطوارها هو صفتها الدائمة، ولا راحة من أكدارها وأحزانها إلا بخروج المؤمن منها، قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:33 - 34] .

غير أن السير فيها على مركب التفاؤل ينجي أهله من الغرق في أوحال كروبها وشقائها.

أيها المسلمون، إننا بحاجة شديدة للتربية على التفاؤل والعيش به، نربي أنفسنا وأهلنا وأولادنا على التفاؤل ونعيش به، ولنا في هذا السبيل قدوةٌ حسنة، شهد الله له بذلك فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21] .

لقد كان رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام قدوةً في قوله وفعله، ومن جوانب القدوة فيه: أخذُه بالتفاؤل وتربية الناس عليه، فقد كان التفاؤل خصلة من خصاله وخلقًا من أخلاقه، وربَّى أصحابه على ذلك، حتى صاروا بعد دعاة التفاؤل، وعُداةَ القنوط والتشاؤم.

لم تكن المرحلة التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مرحلةَ رغد عيش، ودعة وسكون، بل كانت حِقبة مملؤة بالابتلاء والتمحيص، والتضحية والبذل، والمعاناة والجهاد. ولقي فيها هو وأصحابه من الشدة ما لقوا، وتجمع عليهم الأعداء على اختلاف مللهم ونحلهم من كل حدب وصوب، وفي خضم هذه الظلمات الكثيفة، كان لسان رسول الله وألسنة أصحابه، وفعاله وفعالهم تشرق بالتفاؤل وحسن المستقبل، وكانت نفوسهم عاملة في سوق الصبر والمصابرة، والجد والمثابرة، فما كلّت ولا ملّت، ولا يئست ولا قنطت، ولا شكّت ولا ارتابت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت