وحينما يبلغ الضر بأحدهم مَداه يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فينفخ فيه روحَ التفاؤل، فيصبح العذاب عُذوبة، والشدة مغتسلًا بارًا وشرابًا، يطهّر به نفسَه من درن الجزع والألم، فيتسامى على الجرح ويضحك ساخرًا بالجارح الذي قد كساه الظلمُ الإرهاقَ والكلل من كثرة الظلم.
روى البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟ قال: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) .
ففي هذا الحدث يخفف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطأة البلاء الذي نزل بأصحابه بإشراقات التفاؤل والأمل، حتى لا يزورهم اليأس والضعف والاستسلام لترغيب الأعداء وترهيبهم. فيذكر لهم الاعتبار بالماضي فيقول: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه) ويبشرهم بأمل المستقبل فيقول: (والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه) .
وكان يمرّ على بعض أصحابه-كأُسرةِ ياسر رضي الله عنها- وهم يُعذَّبون فيقول: (صبرًا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة) [1] .
وفي السياق نفسه كانت الآيات القرآنية تتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها من البشائر والآمال لهذا الدين وأهله بالنصر والغلبة والتمكين والفرج، وزوال الكربة والشدة، فيتلوها عليهم فتنشرح لها صدورهم، وتطمئن بها نفوسهم، وتهتك أحجبة الألم والقنوط أمام أعينهم. قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} {إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ} {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:171 - 173] ،وقال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر:51] .
ومن ضمن آيات التطمين والانشراح: أخبار الأنبياء عليهم السلام وكيف نجاهم الله تعالى ونصرهم، وغلبَ أعداءهم وقهرهم، ولم يوصل أولئك الأعداء إلى آمالهم في عباده الصالحين. قال تعالى عن نبيه موسى عليه السلام: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ
(1) رواه الحاكم والبيهقي.