فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 309

بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ} {وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ} {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ} {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:61 - 67] .

أيها المسلمون، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بنقل الصحابة رضي الله عنهم على أفق التفاؤل إلى البشرى القريبة، بل نقلهم إلى البشرى البعيدة التي لا يدركونها؛ لكي يوقنوا بانتصار هذا الدين على كل ما خالفه ووقف في طريق نوره، ولكي يزدادوا تفاؤلًا ويقينًا بانقشاع سحابة الابتلاء التي تظلّهم، فيقول عليه الصلاة والسلام: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ الا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلًا يذل الله به الكفر) [1] .

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولًا: أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مدينة هرقل تفتح أولًا) [2] .

وبينما يشتد في مكة الإيذاءُ ويتضاعف على الصحابة الكرام البلاء يُشرِقُ فرجُ الله تعالى بالهجرة إلى المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر صحابته بذلك فيقول: (قد أُرِيتُ دار هجرتكم سبخة ذات نخل بين لابتين) [3] .

أيها الأحبة الأفاضل، وتبدأ مواكب الهجرة السامية إلى المدينة، فتطوي صفحةَ البلاء والعناء في مكة، وتفتح صفحة من الفرج والهناء في المدينة. فتغادر الجماعة المؤمنة مكةَ زرافات ووحدانًا، حتى جاء الإذن لسيد المرسلين بالخروج بنفسه ساقةً للمهاجرين، وخاتمةً لطلائع المؤمنين.

لكن ذلك الهناء في المدينة لم يكتمل؛ فهناك أعداء كُثر يتربصون برسول الله والمسلمين، وعلى ظهور الثلة المؤمنة حِملٌ ثقيل يتمثّل في تبليغ هذه الدعوة إلى أرجاء المعمورة، ولن يصلوا إلى هذه الأمنية العظيمة إلا على جسور من التعب والعناء؛ فلذلك واصلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم معهم دروسَ التفاؤل، وحسنِ الظن قولًا منه وعملًا.

ففي يوم الأحزاب ومعركة الخندق يتقاطر أعداءُ الله ورسوله والمؤمنين من أماكن متعددة حتى يصلوا قريبًا من المدينة فيفرضون عليها حصارًا مطبقًا بعشرة آلاف مقاتل من الخارج سوى غَدَرةِ اليهود من الداخل، فيشتد البلاء بالمؤمنين ويخنقهم الكرب، ويحاصرهم العناء، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ

(1) رواه أحمد والبيهقي والحاكم، وهو صحيح.

(2) رواه أحمد والدارمي والحاكم، وهو صحيح.

(3) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت