زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب:9 - 11] .
وفي ظلام هذه الشدة الداجية يشرق ضياء الأمل من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقتبس منه درسًا في التفاؤل يصل إلى آذان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد عند أحمد والنسائي بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب قال: (لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول فقال: بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلثها. وقال: الله أكبر؛ أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحُمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر؛ أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض. ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله؛ فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر؛ أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة) . فاستبشر الصحابة خيرًا وفرحوا بهذه البشائر الصادقة، فكانت هذه الكلمات المتفائلة شحنةً إيمانية قوية وصلت قلوبَ المؤمنين، ولم تكن كذلك في قلوب المرجفين المنافقين أصحابِ الشك والريب، قال تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:12] .
وهكذا ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي صحابته الكرام على الاستمساك بحبل التفاؤل، وهو تربيةٌ للأمة كلها، فعاش المصدقون المتفائلون في اطمئنان وعمل، وعاش المشككون اليائسون في قلق وكسل.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد،
أيها المسلمون، إن تلك الكلمات المنيرة، والمواقف المشرقة بنور التفاؤل التي انبثقت من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله تربي الأمة على التفاؤل دائمًا، مبيِّنة لها أن الليل إذا كثف ظلامه آذن بميلاد الفجر، والحبل إذا اشتد انقطع، وأن العسر يتبعه اليسر حتى يدركه، قال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [[الشرح:5 - 6] .