فالعافية حسنة من حسنات الدنيا التي من وُهِبها نال خيرًا كثيرًا، وقد مثّل بعض المفسرين كقتادة وغيره للحسنة في الدنيا بالعافية والصحة، في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201] .
وقال النووي-رحمه الله- في شرحه على مسلم:"وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا: أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة الجنة والمغفرة، وقيل: الحسنة تعم الدنيا والآخرة"، وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلًا من المسلمين قد خفتَ فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه -! أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) ؟ قال: فدعا الله له فشفاه [1] .
والعافية-معشر المسلمين- من المطالب الكثيرة التي كان يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر الناس ويوصيهم بسؤالها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو بالعافية في الصلاة وغير الصلاة، ففي الصلاة كان من أدعية الاستفتاح: قوله عليه الصلاة والسلام: -بعد أن يكبر عشرًا ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا ويهلل عشرًا، ويستغفر عشرًا-: (اللهم اغفر لي واهدني، وارزقني وعافني، أعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة) [2] ، وكان يدعو في الجلسة بين السجدتين فيقول: (اللهم اغفر لي وارحمني، وعافني واهدني وارزقني) [3] ، وفي قنوت الوتر كان يقول: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت ... ) [4] .
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أمسى أو أصبح لا يدَع هؤلاء الكلمات: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي) [5] ، وعند النوم كان صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم أنت خلقت نفسي وأنت توفاها، لك مماتها ومحياها إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية) [6] ، وعندما كان يزور القبور كان يقول لأهلها: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية) [7] ، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أمتعني بسمعي وبصري، حتى تجعلهما الوارث مني، وعافني في ديني وفي جسدي) [8] ، وكان عليه الصلاة
(1) رواه مسلم.
(2) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وهو صحيح.
(3) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو صحيح.
(4) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم، وهو صحيح.
(5) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو صحيح.
(6) رواه مسلم.
(7) رواه مسلم.
(8) رواه الحاكم، وهو صحيح.