والسلام يعلّم أصحابه الدعاء بالعافية؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: (سلِ اللهَ العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ثم أتاه الغد، فقال: يا نبي الله، أي الدعاء أفضل؟ قال:(سلِ اللهَ العفو والعافية في الدنيا والآخرة، فإذا أُعطيت العافية في الدنيا والآخرة، فقد أفلحت) [1] ، وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم اغفر لي وارحمني، واهدني وعافني وارزقني) [2] .
أيها الأحبة الفضلاء، إن العافية من أعظم عطايا الله للعبد، وأفضل قِسَمه له، فهي أفضل من الغنى والجاه والسلطان، ولا تطيب هذه الأشياء لأصحابها إلا بالعافية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) [3] ، وعن عبد الله بن خُبيب الجهني، عن أبيه عن عمّه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خيرٌ من الغنى، وطيب النفس من النعم) [4] .
قال الشاعر:
إذا ما كساك اللهُ سِربالَ صحةٍ ... ولم تخلُ من قوتٍ يحلُّ ويَقربُ
فلا تغبطنْ أهلَ الكثيرِ فإنما ... على قدْرِ ما يعطيهمُ الله يَسلب
فيا من فاته الملك أو الغنى وهو توّاق إلى ذلك، لا تحزن ما دمت معافى؛ فعندك كنز ثمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية) [5] .
وقيل في الحِكَم: إن"العافية هي الملك الخفي"، فكم من أصحاب الرئاسة والجاه أناس يبحثون عن العافية، حتى إنهم يغبطون أهلها عند الموت، فعن قبيصة بن ذؤيب قال:"كنا نسمع نداء عبد الملك من وراء الحجرة في مرضه: يا أهل النعم، لا تستقلوا شيئًا من النعم مع العافية".
قال الشاعر:
لا تأسَ من دنيا على فائتٍ ... وعندكَ الإسلامُ والعافيه
إن فاتَ شيءٌ كنتَ تسعى له ... ففيهما من خلَفٍ كافيه
ويا أيها الفقير المعافى، احمدِ الله على نعمته العظيمة عليك، ولا تحسد الأغنياء على غناهم؛ فكم من غني بالمال فقير من العافية!، فماذا نفعه غناه وقد ذهبت عنه الصحة فحُرِم طعم الملذات، حتى صار لا يأكل إلا أطعمة معدودة، ولا يشرب إلا أشربة محصورة؛ ولهذا قيل:"صحة الجسم أوفر القِسم"، وقال حكيم:"إن كان شيء فوق الحياة فالصحة"، وقيل:
(1) رواه البخاري في الأدب المفرد، وهو صحيح.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي وابن ماجه، وهو حسن.
(4) رواه البخاري في الأدب المفرد، وأحمد وابن ماجه، وهو صحيح.
(5) رواه الترمذي وأحمد، وهو صحيح.