"من أوتي العافية فظن أن أحدًا أوتي أكثر منه فقد قلّل كثيرًا، وكثّر قليلًا"، وقيل:"الدنيا بحذافيرها الأمن والعافية"، قال الشاعر:
إني وإنْ كان جمعُ المالِ يُعجبني ... فليس يعدلُ عندي صحةَ الجسد
في المالِ زينٌ وفي الأولادِ مكرمةٌ ... والسُقمُ يُنسيك ذِكْرَ المالِ والولد
عباد الله، بالعافية يجد المعافى طعمًا للطيبات والملذات، وبفقدانها لا يجد لها شيئًا من ذلك، بل إن المعافى يستطيب الطعام القليل، ويستحسن الزاد الرديء، وغير المعافى لا يجد لذة لألذ الملذات، ولا طعمًا لأطيب الطيبات، حجّ الحجاج فنزل مكانًا فدعا بغدائه، فقال لحاجبه:"انظر من يَتَغدى معي وأسألُه عن بعض الأمر؛ فنظر الحاجبُ فإذا هو بأعرابيٍّ بين شَمْلتين من شَعَرٍ نائم، فضربه برجليه وقال: ائت الأميرَ، فأتاه؛ فقال له الحجاج: اغسِلْ يدك وتَغَدَ معي، قال: إنه دعاني مَنْ هو خيرٌ منك فأجبته؛ فقال له الحجاج: من الذي دعاك؟. قال: اللهّ تعالى دعاني إلى الصوم فصُمت، قال: في هذا اليوم الحارّ! قال: نعم، صُمتُ ليوم أحرَّ منه، قال: فأفطِر وتصوم غدًا؛ قال: إن ضمنتَ لي البقاءَ إلى غد، قال: ليس ذاك إلي، قال: فكيف تسألني عاجلًا بآجل لا تقدر عليه! قال: إنه طعامٌ طيب؛ قال: إنك لم تُطَيبه، ولا الخبًاز، ولكن طيّبته العافية".
أيها الأحبة، إن العافية لما كانت في هذه المنزلة السامية، ولها هذا الفضل العظيم؛ كانت من النعيم الذي يُسأل عنه الإنسان يوم القيامة: ماذا عمل به؟، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نُصحْ لك جسمك، ونروِّكْ من الماء البارد؟) ؟! [1] ؛ ولهذا قال علي وابن عباس رضي الله عنهم في قوله تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8] :"عن الصحة".
أيها المسلمون، إن نعمة العافية من أكثر النعم التي لا يقدرها كثير من الناس قدرها، ولا يشكرون الله تعالى عليها، ويظهر هذا التغافل والكفران في أقوالهم وأحوالهم، فكم من إنسان يرفل في ثوب العافية، ولكنه ينسى من كساه إياه!، ويتنعم بالنعمة فينسى المنعم بها عليه، فإذا ذهبت عافيته تذكر أنه كان في نعمة؛ ولذلك قيل:
والحادثاتُ وإن أصابكَ بؤسُها ... فهو الذي أنباكَ كيف نعيمُها
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) [2] .
روي عن جعفر بن محمد أنه قال:"العافية موجودة مجهولة، والعافية معدومة معروفة"-وأراد بقوله: العافية موجودة مجهولة: أن الناس عرفوا العافية ولم يعرفوا قدرها حتى يُبتلوا، والعافية معدومة معروفة يعني: أن المبتلى ببلية يعدم معها العافية فحينئذ يعرف قدرها.
(1) رواه الترمذي والحاكم، وهو صحيح.
(2) رواه البخاري.