فالعافية لذة عظيمة قد لا يعرف ملتذُها حلاوتَها إلا حين ذهابها، خلافًا لحاله في اللذات الأخرى التي يلتذ بها عند حضورها، وينساها عند غيابها.
وكم من إنسان يجاوز حدودَ النسيان إلى ركوب العصيان بعافيته، فيستثمر نعمة العافية في جسده وأحواله بترك الواجبات، وفعل المحظورات، فالصلاة إذا ذُكرت لم يكن من أهلها، وإذا دُعي إلى الواجبات الأخرى لم يُجب داعيَها!، ولكنه حينما تُذكر المعاصي التي تعتمد على العافية فإنه من رُوّادها والمسرعين إليها!.
وكم من الناس من يتربى في حضن العافية فلا تخطر بباله الآلام والبلايا؛ فلذلك يعيش ساخرًا من أهل البلاء، غليظًا عليهم، غير راحم لهم، وكأن قطار البلاء لن يمر به فيركب عليه كما ركب غيره.
فما أحوجَ هؤلاء الغافلين تحت ظلال العافية إلى اليقظة؛ ليحرسوا هذه النعمة من هجوم البلاء الوشيك؛ بسبب غفلتهم عما يجب عليهم فعله وهم مطمئنون في حصن العافية، كان عبد الأعلى التيمي يقول:"أكثروا سؤال العافية؛ فإن المبتلى وإن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء، وما المبتلَون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس، وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم، فما يأمن من أطال المقام على معصية الله أن يكون قد بقي له في بقية عمره من البلاء ما يحذره في الدنيا، ويفضحه في الآخرة".
عباد الله، إن نعمة العافية تبقى للإنسان ما دام من أهل التقوى الذين يتقون الله بفعل ما أمر، وترك ما نهى، وقد قيل:"من اتقى الله لبس العافية، وحمد العاقبة"، وكان شيخ من الأعراب يدور على المجالس ويقول:"من سرّه أن تدوم له العافية فليتقِ الله"، وكم لطاعة الله تعالى من آثار صحية على الروح والبدن في الدنيا والآخرة، فكم تحدّث الأطباء والعلماء عن الفوائد الصحية للعبادات ومنها: الصلاة والصيام، قال ابن القيم رحمه الله:"ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن، وإذابة أخلاطه وفضلاته، ما هو من أنفع شيء له، سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان، وسعادة الدنيا والآخرة، وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب، كما في"الصحيحين"عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلّت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيّب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) ".
ومن أسباب بقاء العافية: معرفة عِظم قدرها، وشكر معطيها سبحانه وتعالى، فمن عرف قدر النعمة حفظها، وأدى حق من منحه إياها، وجعله يسعى في استغلالها فيما ينفع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (اغتنم