ومن وجوه الخير لذهاب بعض العافية: حصول عبادة الصبر لمن صبر، فكم لأهل الصبر على البلاء من الأجور العظيمة عند الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يود أهل العافية يوم القيامة -حين يُعطى أهل البلاء الثواب- لو أن جلودهم كانت قُرِضتْ في الدنيا بالمقاريض) [1] .
ومن الفوائد كذلك: أن ذلك يكسر كبرياء النفس وبطرها، ويجعلها ترحم أهل البلاء، وتحسن إليهم.
نظر إبراهيم بن آدهم إلى رجل قد أُصيب بمال ومتاع كثير وقع الحريق في دكانه، فاشتد جزعه حتى خولط في عقله، فقال له: يا عبد الله، إن المال مال الله، متعك به إذ شاء، وأخذه منك حين شاء، فاصبر لأمره ولا تجزع؛ فإن من تمام شكر الله على العافية: الصبرَ له على المصيبة، ومن قدّم وجد، ومن آخر فقدَ وندم. فيا من ابتُلي فصبر، أبشرْ ولا تحزن؛ فالله تعالى يقول: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] .
لكن هذه الفضيلة لأهل البلاء لا تدعو إلى طلب البلاء وتمنيه؛ فإن الخير في العافية مع الشكر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) [2] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن، إن السعيد لَمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولَمن ابتلي فصبر فواهًا) [3] .
قال مطرف بن عبد الله:"نظرت في العافية والشكر فوجدت فيهما خير الدنيا والآخرة، ولأن أُعافى فأشكر؛ أحب إلى من أن أُبتلى فأصبر".
فاللهم عافنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا.
هذا وصلوا على البشير النذير ...
(1) رواه الترمذي، وهو حسن.
(2) متفق عليه.
(3) رواه أبو داود، وهو صحيح.