فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 309

ذكر الإمام أحمد في الزهد عن أبي العالية قال:"أكثر ما كنت أسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم عافنا، واعف عنا".

ومن أسباب بقاء العافية: استعمال الأسباب المادية الواقية، واستعمال الكفاية من الطعام والشراب والكساء والدواء، قال ابن القيم رحمه الله:"ولما كانت الصحة والعافية من أجلِّ نعم الله على عبده، وأجزل عطاياه، وأوفر منحه، بل العافية المطلقة أجلّ النعم على الإطلاق، فحقيقٌ لمن رزق حظًا من التوفيق مراعاتها وحفظها، وحمايتها عما يضادها"، وسمع بعض أهل العلم رجلًا يدعو بالعافية فقال له:"يا هذا، استعمل الأدوية، وادع بالعافية؛ فإن الله تعالى إذا كان قد جعل إلى العافية طريقًا وهو التداوي ودعوتَه بالعافية؛ ربما كان جوابه: قد عافيتك بما جعلته ووضعته سببًا للعافية".

عباد الله، إن المسلم إذا رُزِق العافية في دينه ودنياه وآخرته؛ فقد رزق خيرًا وفيرًا، ففي الدنيا والدين يظهر أثر ذلك الرزقِ الحسنِ في راحته واطمئنانه، وصلاح عيشه واستقامة أحواله، وحسن عبادة ربه، وأداء حقوق خلقه، وفي الآخرة يظهر أثر ذلك في نجاته من سخط الله وعقابه، والفوز بدار كرامته.

فمن أوتي ذلك فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وما يذكر إلا أولو الألباب. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، الواحد الأحد، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أيها المسلمون، إن عافية الدنيا قد لا تستمر ولا تدوم؛ لأن تمام تلك النعمة بلا منغصات لا يكون في هذه الدار، بل في جنة الله في دار القرار.

روي عن علي بن أبي طالب رضي الله أنه قال:"لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين: العافية والغنى، بينا تراه معافى إذ سقم، وبينا تراه غنيًا إذ افتقر". ولعل في غروب بعض العافية خيرًا للعبد، فمن خير ذلك الغروب: أنه يذكّره بعظم هذه النعمة فيشكر الله تعالى عليها، فكم من إنسان لا يعلم فضل الشمس إلا حين تشرق وحين تغيب.

وقد كان يقال:"لا خير في بدن لا يُنكأ، ولا في مال لا يُرزأ"، وقيل:"لا يعرِف طعمَ النعمة إلا من نالته يد العلة والبلاء"، وقيل:"شيئان لا يعرِف فضلَهما إلا مَن فقدهما: الغنى والعافية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت