فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 309

فبينا يُرى الإنسان متقلِّبًا في أعطاف العافية نشيطًا مبتسمًا متحركًا، يأكل ما يشاء ويشرب ما يشاء، وينام متى يشاء، ويذهب أينما يشاء؛ إذا به يهجم عليه مرض من الأمراض فيذبل بعد حيويته، ويعبس بعد بسمته، ويقعد بعد حركته، ويفتر بعد نشاطه، ويعاف مأكله ومشربه ومنامه، ويصبح طريح الفراش، تملأ المكان أصواتُ وجعه وألمه.

عباد الله، إن الله تعالى ذو حكمة بالغة، فلا يكون في قضائه شر ولا عبث، ولا تقدير فارغ من الحكمة.

فالمرض النازل بالخلق قضاء مشتمل على حكم كثيرة، فمن تلك الحكم:

أن المرض يرد المخلوقَ إلى خالقه، والعبد إلى معبوده وسيده؛ فالصحة قد تنسيه العبودية فيلهو عن الله بغيره، ويتعلق قلبه بسواه، فيزوره المرض ليقول له: ارجع إلى ربك، وتعلّق به، وانشغل به ولا تنشغل عنه.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف:94] "يعني: {بالْبَأْسَاءِ} : ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام. {وَالضَّرَّاءِ} ما يصيبهم من فقر وحاجة ونحو ذلك، {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} أي: يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم" [1] .

ومن حكم تقدير المرض: أن المرض يعرّف الإنسان ضعفه وعجزه، فمهما كان قويًا قادرًا يمتلك أسباب العافية فإن المرض يحط رحاله عنده رغم أنفه؛ لكي يعلمه بأنه عبد ضعيف عاجز يحتاج إلى مولاه المعبود القوي القادر؛ ليستمد منه قدرة وقوة.

ومن حكم تقدير المرض: أنه يزهِّد الإنسان عن الدنيا ويرغبه في الآخرة، بحيث يجعله يشتاق إلى الجنة فيسارع إلى العمل لها، ويباعده عن الانشغال بالدنيا المحفوفة بالأكدار والأحزان.

ومن حكم تقدير المرض كذلك: أن المرض يعلِّم الإنسان دروس الرحمة والعطف على المرضى، فمن مرض ووجد ألم الوجع فإنه سيحس بأوجاع الآخرين، فإذا اعتبر فسيسرع إلى رحمة المرضى ومد يد الإحسان إليهم.

أيها المسلمون، إن المرض ينزل على الإنسان صغيرًا وكبيرًا، غنيًا وفقيرًا، مسلمًا وكافرًا. غير أن المرض في المؤمن الصابر يكون نعمة لا نقمة، وخيرًا لا شرًا، {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19] . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) [2] .

(1) تفسير ابن كثير (3/ 449) .

(2) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت