فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 309

وتتجلى الخيرية والنعمة بالمرض في حق المؤمن: بكون المرض يستخرج من المؤمن عبودية الصبر والرضا بأقدار الله تعالى، والصبر من أعظم العبادات التي تربي النفس وتصقلها من شوائب الضعف والعجز والكذب، وترقيها إلى مراتب الصفاء.

والمرض يستخرج من العبد عبودية التضرع والابتهال بين يدي الله تعالى، فيدعو العبد السقيم دعاء صادقًا حارًا تكاد نفسه أحيانًا أن تخرج مع كل كلمة من شدة مناداته، ومن عظم الحاجة إلى إجابة دعواته. ومن ذلك الدعاء: الدعاء بالأدعية الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرض، فعن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه شكا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعًا يجده في جسده منذ أسلم. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ضع يدك على الذى تألم من جسدك وقل: باسم الله. ثلاثًا. وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر) قال عثمان: قال: ففعلت ذلك فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم [1] .

والمرض إذا نزل بالمؤمن فصبر عنده كان سببًا لتكفير خطاياه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المؤمنَ من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) [2] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة) [3] .

عباد الله، إن المرض زار خيرَ الناس: الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام فما وجد عندهم إلا الصبرَ والرضا؛ فقد ابتُلي أيوبُ عليه السلام بالمرض الشديد فكان الصبر له عنوانًا، حتى ضُرب بصبره المثل، فما جزع ولا سخط، بل كان عبدًا صابرًا محتسبًا، وبذلك أثنى الله تعالى عليه، قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:83 - 84] .

وقال: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44] .

ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم مسّه السقم، وذاق مرارة الألم فلم يتضجر ولم يتسخط.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه وهو يوعك وعكًا شديدًا وقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا! - وقوله: توعك أي: يصيبك الألم والتعب من الحمى- قلت: إن ذاك بأن لك أجرين؟ قال:

(1) رواه مسلم ومالك.

(2) رواه البخاري.

(3) رواه الترمذي والحاكم، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت